فهرس الكتاب
أَوْ «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهْوَ يَعْلَمُ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» (1) أَوْ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَوْ قَالَ أَخِيهِ لَقِىَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) (2)
(1) - صحيح البخارى برقم (4326) ومسلم برقم (229)
وفي شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 34)
هَذَا صَرِيح فِي غِلَظ تَحْرِيم اِنْتِمَاء الْإِنْسَان إِلَى غَيْر أَبِيهِ، أَوْ اِنْتِمَاء الْعَتِيق إِلَى وَلَاء غَيْر مَوَالِيه؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كُفْر النِّعْمَة وَتَضْيِيع حُقُوق الْإِرْث وَالْوَلَاء وَالْعَقْل وَغَيْر ذَلِكَ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ قَطِيعَة الرَّحِم وَالْعُقُوق.
(2) - صحيح البخارى برقم (6659)
وفي شرح ابن بطال - (ج 11 / ص 120)
اختلف العلماء فيمن قال: على عهد الله، فقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعى: من حلف بذلك وجبت عليه الكفارة سواء نوى اليمين أو لا، وروى هذه القول عن طاوس، والشعبى، والنخعى، والحكم، والحسن البصرى، وقتادة، ومجاهد.
وروى عن عطاء: ليس ذلك بيمين إلا أن ينوى اليمين، وهو قول الشافعى وأبى ثور وأبى عبيد.
والحجة للقول الأول قوله: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا} فخص عهد الله بالتقدمة على سائر الأيمان؛ فدل على تأكيد الحلف به ولذلك قال إبراهيم: كانوا ينهوننا عن الحلف بالعهد وليس ذلك إلا لغلظ اليمين به وخشية التقصير في الوفاء به، فعهد الله ما أخذه على عباده وما أعطاه عباده قال تعالى: {ومنهم من عاهد الله} إلى قوله: {بما أخلفوا الله ما وعدوه} فذمهم على ترك الوفاء؛ لأن تاركه مُستخِف بمن كان عاهده في منعه ما كان وعده.
قال ابن القصار: واحتجوا بقوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} فأمر بالوفاء بعهده ثم عطف عليه بقوله: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} ولم يتقدم ذكر غير العهد، فأعلمنا أنه يمين مؤكد، ألا ترى قوله: {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} . وقال يحيى بن سعيد في قوله: {ولا تنقضوا الأيمان} قال: العهود. وقد روى عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: {أوفوا بالعقود} قال: عقدة الطلاق، وعقدة البيع، وعقد الحلف، وعقد العهد، فإذا قال: علىَّ عهد الله، فقد عقد على نفسه عقدًا يجب الوفاء به؛ لقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} وروى عن ابن عباس: إذا قال: علىَّ عهد الله، فحنث يعتق رقبة.
فإن قال الشافعى: فإذا قال: علىَّ عهد الله، يحتمل أن يريد معهود الله، وهو ما ذكره تعالى في قوله: {ألم أعهد إليكم يا بنى آدم ألا تعبدوا الشيطان} وإذا كان هذا معهود الله، وهو محدث فهو كقوله: فرض الله، يكون عبارة عن مفروض الله، ولا يكون يمينًا، لأنه يمين بمحدث؛ قيل: قوله: علىَّ عهد الله، غير قوله: معهود الله؛ لأنه لم يجر العرف والعادة بأن يقول أحد: علىَّ معهود الله، وإنما جرى بأن يراد بذلك اليمين.
وقال مالك: إذا قال: علىَّ عهد الله وميثاقه، فعليه كفارتان إلا أن ينوى التأكيد فتكون يمينًا واحدةً.
وقال الشافعى: عليه كفارة واحدة، وهو قول مطرف وابن الماجشون وعيسى بن دينار.
والحجة لمالك أنه لما خالف بين اللفظين، وكل واحد يجوز أن يستأنف به اليمين كانت يمينين ووجب أن يكون لكل لفظ فائدة محددة.