الصفحة 26 من 44

الدرسُ الرابعَ عَشَرَ

(1) يعني: أنَّ موسى بَلَّغَه أنَّ رَبَّه في العُلُوِّ، ولهذا قالَ لهَامَانَ: {ابْنِ لِي صَرْحًا} . لو كانَ في كلِّ مكانٍ ما احْتَاجَ فِرْعَوْنُ إلى هذا، فعُلِمَ أنَّ الرسُلَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ جاؤُوا بهذا، فالرسُلُ - ومنهم موسى كَلِيمُ الرحمنِ - أَخْبَرُوا أُمَمَهُم بأنَّ اللَّهَ في العُلُوِّ فوقَ العرشِ سبحانه وتعالى.

(2) يعني إثباتَ أسماءِ اللَّهِ وصفاتِه والإيمانَ بها، وإمرارَها كما جاءَتْ بها النصوصُ، على الوجهِ اللائقِ باللَّهِ، مِن غيرِ تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ، ولا تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ، على هذا دَرَجَ الصحابةُ رَضِيَ اللَّهُ عنهم وأرضاهم، والتابعونَ لهم بإحسانٍ، ولم يَخْتَلِفُوا في هذا، وإنَّما اخْتَلَفَ أهلُ البِدَعِ كالمُعْتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ وغيرِهم، أما أصحابُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكلُّهم آمَنُوا بما دَلَّ عليه كتابُ اللَّهِ وسنَّةُ رسولِه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مِن أسماءِ اللَّهِ وصفاتِه، وأَثْبَتُوها للهِ وآمَنُوا بها، وأَمَرُّوها كما جاءَتْ، عن عقيدةٍ وعن إيمانٍ، وقالوا فيها كما قالَ اللَّهُ جلَّ وعلا: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .

ومَدَحَ اللَّهُ مَن تَابَعَهُم على هذا الطريقِ فقالَ: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنَّهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .

فهم وأتباعُهم بإحسانٍ، هم الذين دَرَجُوا على الطريقِ السَّوِيِّ، واسْتَقَامُوا على مَنْهَجِ نبيِّهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قولًا وعملًا وعقيدةً، في أسماءِ اللَّهِ وصفاتِه وتوحيدِه وإخلاصِ العبادةِ له، وتركِ ما خَالَفَ ذلك، وإنْ وَقَعَ مِنهم بعضُ الاختلافِ في مسائلِ الفروعِ، في بعضِ المسائلِ التي تَتَعَلَّقُ بالصلاةِ أو بالطلاقِ أو بالنِّكَاحِ أو بغيرِ ذلك، لكنَّهم وبحَمْدِ اللَّهِ أَجْمَعُوا إجماعًا قَطْعِيًّا على الإيمانِ بأسماءِ اللَّهِ وصفاتِه وتوحيدِه والإخلاصِ له، وتَرْكِ ما خَالَفَ ذلك، ولم يَتَنَازَعُوا في هذا، رَضِيَ اللَّهُ عنهم، ورَحِمَهُم.

(3) وهكذا بقيَّةُ الصفاتِ، وأَرَادَ رَحِمَهُ اللَّهُ، أنَّه كما بَيَّنَ لنا تَوْحِيدَه وأنَّه مُسْتَحِقٌّ للعبادةِ وبَيَّنَ بُطْلاَنَ الشِّرْكِ، هكذا بَيَّنَ أسماءَه وصفاتِه حتى نَعْرِفَه بها سبحانه، فوَجَبَ على الأمةِ تَقَبُّلُ هذه الأسماءِ والصفاتِ والإيمانُ بها، على حدِّ قولِه تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، نُؤْمِنُ بها ونُمِرُّها كما جاءَتْ، على هذا الأساسِ، وأنَّه سبحانه لا يُمَاثِلُه شيءٌ؛ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ومِن ذلكَ النفْسُ، قد ذَكَرَها الربُّ في كتابِه سبحانه وتعالى، وذَكَرَها الرسولُ صلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ، فنُثْبِتُها كما جاءَتْ؛ {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} ، {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} ، {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} .

فهذه الآياتُ وما جاءَ في معناها، كلُّها دالَّةٌ على إثباتِ النَّفْسِ، وهكذا الأحاديثُ، فوَجَبَ على أهلِ الإيمانِ إثباتهُا وأنَّها حقٌّ، لكنَّها ليسَتْ مِن جِنْسِ أَنْفُسِ المخلوقينَ، بل للهِ سبحانه وتعالى نَفْسٌ وسمعٌ وبصرٌ ورِضًا وغَضَبٌ ورَحْمَةٌ وغيرُ ذلك، كلُّه يَلِيقُ باللَّهِ سبحانه وتعالى، لا يُشَابِهُ صفاتِ المخلوقينَ، وهكذا وَجْهُه، ويَدُه، وقَدَمُه، وأصابِعُه، وغيرُ ذلك، كلُّها طريقُها واحدٌ، فالواجبُ إثباتُها والإيمانُ بها، وأنَّها حقٌّ، على الوجهِ اللائقِ باللَّهِ سبحانه وتعالى، مِن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ولا تَكْيِيفٍ ولا تمثيلٍ، هذا طريقُ أصحابِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأتباعِهم بإحسانٍ، خلافَ أهلِ الكلامِ الذين تَنَطَّعُوا وقالوا ما ليسَ لهم به علمٌ، وأوَّلُوا النصوصَ، وحَقيقةُ ما قالوه التَّخْيِيلُ. نسألُ اللَّهَ العافِيَةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت