الصفحة 27 من 44

الدرسُ الخامسَ عَشَرَ

(1) كلُّ هذا يُبَيَّنُ به أنَّ المؤلفَ - وهو مُحَمَّدُ بنُ خَفِيفٍ - على طريقةِ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ في إثباتِ ما أَثْبَتَه أهلُ السنَّةِ والجماعةِ في جميعِ ما ذَكَرَ، من إثباتِ الإيمانِ وأنَّه حقٌّ، وأنَّهُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ، يَزِيدُ بالطاعاتِ ويَنْقُصُ بالمعاصي، وأنَّ العُصاةَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ؛ إن شاءَ عفا عنهم، وإن شاءَ أدْخَلَهُم النَّارَ على قَدْرِ معاصيهم إذا ماتوا عليها، وهكذا ما ذَكَرَه مِن إثباتِ العرشِ، وأنَّ اللَّهَ فوقَ العرشِ كما يَشَاءُ سبحانه وتعالى، وعِلْمَه في كلِّ مكانٍ، وهكذا ما ذَكَرَه بعدَ ذلك مِن العُرُوجِ بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنفسِه، ثم إلى ما فوقَ السماءِ السابعةِ، كلُّ هذا حقٌّ، وهكذا ما ذَكَرَ مِن خَلْقِ الجنَّةِ والنَّارِ، أنَّ اللَّهَ خَلَقَهما وأنَّهما مَوْجُودَتَانِ للبقاءِ، لا للفَنَاءِ، أَعَدَّ الجنَّةَ للمُتَّقِينَ، وأَعَدَّ النَّارَ للكافرينَ، إلى غيرِ هذا مما بَيَّنَه رَحِمَهُ اللَّهُ، وأنَّه على طريقِ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، وأنَّ القرآنَ كلامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غيرُ مخلوقٍ، مِنه بَدَأَ وإليه يَعُودُ، فهو على طريقةِ أهلِ السنَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.

أمَّا ما يَتَعَلَّقُ بليلةِ النصفِ مِن شَعْبَانَ، فالحديثُ فيه ضعيفٌ، وقد خَفِيَ على المؤلِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو ابنُ خفيفٍ، أمَّا التنَزُّلُ يومَ عَرَفَةَ فقدْ جاءَ هذا في صحيحِ مسلمٍ: (( إِنَّ اللَّهَ يَدْنُو فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ ) )، يعني: الواقفونَ بعرفةَ , يَدْنُو، وليسَ فيه التصريحُ بسماءِ الدُّنْيَا، أنَّ اللَّهَ يَدْنُو فيُبَاهِي بهم الملائكةَ ويقولُ: ما أَرَادَ هؤلاءِ؟ ونُزُولُ آخِرِ الليلِ هذا ثابتٌ في الصِّحَاحِ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ:(مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) . وفي اللفظِ الآخَرِ: (( هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابَ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى سُؤْلَهُ، هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَيُتَابَ عَلَيْهِ) . كلُّ هذا حقٌّ، أمَّا ما يَتَعَلَّقُ بليلةِ النصفِ مِن شَعْبَانَ، فالحديثُ فيها ضعيفٌ، ولم يَثْبُتْ في النصفِ من شعبانَ أحاديثُ، لا في قِيَامِها ولا في صومِ نهارِها ولا في التنزُّلِ، كلُّ ما وَرَدَ فيها هو ضعيفٌ عندَ أهلِ العلمِ.

(2) الفقرُ يقالُ له: خَلَّةٌ، يعني حاجَةً، فهم تَأَوَّلُوه على الحاجَةِ، يعني: اتَّخَذَهُ فقيرًا إليه، وهذا غَلَطٌ، الخُلَّةُ هي المحبَّةُ، اتَّخَذَه خليلًا يعني محبوبًا مَحَبَّةً خاصَّةً، كما اتَّخَذَ مُحَمَّدًا خليلًا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، فاللَّهُ يُحِبُّ ويُحَبُّ جلَّ وعلا، ولكنَّ أهلَ البِدَعِ تَأَوَّلُوها على إرادةِ الخيرِ، وإرادةِ الإحسانِ، وهذا غلطٌ؛ فإنَّ المحبَّةَ صِفَةٌ تَلِيقُ باللَّهِ مُسْتَقِلَّةٌ غيرُ الإرادةِ،، كما قالَ عزَّ وجلَّ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} ، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ، {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} . قد تَكَرَّرَتْ في القرآنِ الكريمِ، وجاءَتْ في السُّنَّةِ، والخُلَّةُ أعلاها وأَكْمَلُها.

(3) وهذا الذي قالَه أبو عبدِ اللَّهِ بنُ خَفِيفٍ في الرُّؤْيَةِ مرجوحٌ، والصوابُ أنَّه لم يَرَ رَبَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، ولم يَخْتَصَّ بها، بل لم يَرَ أحدٌ ربَّه في الدنيا؛ لا مُحَمَّدٌ ولا غيرُه، فالرؤيةُ مما ادَّخَرَها اللَّهُ للمؤمنينَ في الآخرةِ، قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديثِ الصحيحِ: (( وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ ) ). ولَمَّا سُئِلَ عن الرؤيةِ: هل رأيتَ رَبَّكَ؟ قالَ: (( رَأَيْتُ نُورًا ) ). وفي لفظٍ آخَرَ قالَ: (( نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ ) ). هذا هو الصوابُ، وأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّما كَلَّمَه رَبُّه كما كلَّمَ موسى، أمَّا الرؤيةُ فلم يَرَهُ. في الحديثِ الصحيحِ؛ حديثِ أبي موسى: (( حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ) ). سبحانه وتعالى.

فالرؤيةُ لها شأنٌ عظيمٌ، وهي أعْلَى نَعيمِ أهلِ الجنَّةِ، فادَّخَرَهَا اللَّهُ لهم في الآخرةِ، وليسَتْ مِن نَعِيمِ الدنيا، الدنيا دارُ الأَكْدَارِ والأحزانِ والمعاصي والكفرِ والضلالِ، فليسَتِ الرؤيةُ مِن نعيمِ أهلِها، وإنَّما هي مِن نعيمِ أهلِ الجنَّةِ، والسعادةِ في الآخرةِ.

(4) والعَجَبُ مِن المؤلِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ المُصَنِّفِ كيفَ سَكَتَ عن هذا ولم يُنَبِّهْ عليه، كما لم يُنَبِّهْ على ما تَقَدَّمَ مِن النزولِ في شَعْبَانَ، يَنْبَغِي أنْ تُنَبِّهَ على هذا، وهذا ليسَ بِمُسَلَّمٍ لا هناكَ ولا هنا، الصوابُ أنَّه لم يَرَ رَبَّه في الدنيا، وأحاديثُ النزولِ في شعبانَ ضَعِيفَةٌ، قد نَبَّهَ على هذا ابنُ القَيِّمِ وغيرُه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت