الصفحة 28 من 44

(5) ذَكَرَ المَسْحَ هنا؛ لأنَّه مخالفٌ لعقيدةِ الرافِضَةِ في إِنكارِ المَسْحِ، لهذا ذَكَرَ أهلُ السنَّةِ المسحَ على الخُفَّيْنِ هنا، وإنْ كانَتْ مسألةً فرعِيَّةً، لكن لَمَّا كانَ أهلُ الرفضِ يُخَالِفُونَ فيها، أثْبَتُوها في عقائِدِ أهلِ السنَّةِ.

(6) كذلك قولُه: (مِنْ قُرَيْشٍ) ، ليسَ بجَيِّدٍ، وإنْ كانَ هو الأصلَ، لكنِ السلطانُ يُصْبَرُ عليه، ولو مِن غيرِ قريشٍ، إذَا تَوَلَّى لا يُخْرَجُ عليه بالمعصيةِ، إلا أنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عندَكم مِن اللَّهِ فيه بُرهانٌ، سواءٌ كانَ مِن قريشٍ أو مِن المماليكِ، أو مِن أيِّ جِنْسٍ، متى تَوَلَّى على النَّاسِ وبَايَعُوه أو غَلَبَ عليهم بسيفِه، وَجَبَ السمعُ والطاعةُ له، كما جاءَ في الأحاديثِ الصحيحةِ عن رسولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، لكنِ البَيْعَةُ الاخْتِيَارِيَّةُ تكونُ لقريشٍ إذا تَيَسَّرَ مَن يَصْلُحُ لهذا وأَمْكَنَ.

(7) وهذه مِن ابنِ خَفِيفٍ تَدُلُّ على عِلْمٍ كبيرٍ، كونُه أَقْدَمَ على هذا، معَ كثرةِ المُنَازِعِينَ فيه يَدُلُّ على قوةِ تحقيقٍ، وكمالِ علمٍ؛ لقولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاَةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ ) (( بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلاَةِ ) ).

(8) يعني: ولو كانَ عندَه مَعْصِيَةٌ يُصَلَّى عليه، مَن ماتَ مِن أهلِ القِبْلَةِ - يعني: من أهلِ الإسلامِ - يُصَلَّى عليه، وإنْ كانَ عندَه شيءٌ مِن المعاصي، ليسَ مِن شرطِ الصلاةِ على الجنائِزِ أنْ يكونَ كاملًا أو سَليمًا، بل يُصَلَّى على الطيِّبِ وعلى العاصي؛ لأنَّ الصلاةَ شفاعةٌ تَنْفَعُه.

(9) قَصْدُه مِن هذا بيانُ عقيدةِ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، التي تَلَقَّوْها عن سَلَفِ الأمةِ مِن الصحابةِ، وأنَّ هؤلاء الذين يُنْسَبُونَ إلى التَّصَوُّفِ مِن أهلِ الزُّهْدِ والوَرَعِ والاسْتِقَامَةِ، ليسوا على حالِ المتأخِّرِينَ الذين غَيَّرُوا وبَدَّلُوا، فمقصودُه أنَّ المُتَصَوِّفَةَ قِسمانِ:

قِسْمٌ ساروا على نَهْجِ السلَفِ، ونُسِبَ إلى التصوُّفِ مِنهم مَن نُسِبَ لوَرَعِه وزُهْدِه وإقبالِه على العبادةِ، ولكنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بطريقةِ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، كالجُنَيْدِ، وأبي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ، و الشَّلْحَابِيِّ، وأشباهِهم مِن أهلِ الصدقِ.

أما الذين أَحْدَثُوا، وغَيَّرُوا وبَدَّلُوا، وأَحْدَثُوا بِدَعًا كثيرةً، هؤلاء ليسوا مِنهم في الحقيقةِ.

(10) مرادُه رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ لهم اصطلاحاتٍ قد لا يَفْهَمُها بعضُ النَّاسِ، فيَنسُبُ إليهم ما هم بُرَاءٌ منه، وفيهم جُهَّالٌ قد لا يَتَقَيَّدُونَ بالسنَّةِ، وما عليه سَلَفُ الأُمَّةِ، وهو صادِقٌ في هذا كلِّهِ، وكانَ يَنْبَغِي لهم ألاَّ يَأْتُوا بألفاظٍ مُبْهَمَةٍ، ويَنْبَغِي لهم ألاَّ يَأْتُوا بألفاظٍ تُسْتَنْكَرُ عليهم، بل يَنْبَغِي أنْ يَسْلُكُوا الطريقَ الواضحَ؛ حتى لا يُتَّهَمُوا بالباطِلِ، فاللومُ يُلامُونَ عليه فيما أَحْدَثُوا مِن الإشاراتِ والاصْطِلاحاتِ التي قَلَّ أنْ يَفْهَمَهَا مَن لا يَعْرِفُ حالَهم.

(11) وهذا مثلُ ما قالَ المُؤَلِّفُ، مَن زَعَمَ أنَّ له صِلَةً باللَّهِ، وأنَّه يَرْوِي بقَلْبِه عن رَبِّه ممَّا يَظُنُّه أولئكَ الجُهَّالُ مِن الصوفيَّةِ؛ حتى يُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ، ويُحَرِّمُوا ما أَحَلَّ اللَّهُ على النَّاس بزَعْمِهِم أنَّهم تَلَقَّوْه عن رَبِّهم، هذا مِنَ الكفرِ والضلالِ.

فليسَ هناكَ وَحْيٌ بعدَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل قدِ انْقَطَعَ الوَحْيُ وتَمَّتِ الرسالةُ وخُتِمَتْ، فالواجبُ على جميعِ النَّاسِ أنْ يَتَلَقَّوْا دِينَهم عن رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعن كتابِ اللَّهِ، فمَن زَعَمَ مِن الصوفيَّةِ أنَّ له طريقةً أُخْرَى يَتَلَقَّى بها العلمَ عن اللَّهِ، دونَ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهذه طريقةٌ فاسدةٌ وباطلةٌ، بل كُفْرٌ وضَلاَلٌ، وخروجٌ عن دائرةِ الإسلامِ. نسألُ اللَّهَ العافِيَةَ.

(12) صَدَقَ، لا يُقَالُ: عَشِقْتُ اللَّهَ، ولكن يُقَالُ: أَحْبَبْتُ اللَّهَ؛ لأنَّ العِشْقَ كَلِمَةٌ مُجْمَلَةٌ، فتَقَعُ في أَلْسِنَةِ المُفْسِدِينَ والسُّفَهَاءِ في العِشْقِ المُحَرَّمِ والمَحَبَّةِ المُحَرَّمَةِ، فلا يُوصَفُ اللَّهُ إلاَّ بما وَصَفَ به نفسَه، كالحُبِّ؛ {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} . فلا يُؤْتَى بألفاظٍ مُحْدَثَةٍ لم تَرِدْ في النصوصِ، ولكن يقولُ: أُحِبُّ اللَّهَ ورسولَه، وأَحْبَبْتُ اللَّهَ ورسولَه. لأنَّ هذا هو الذي جاءَ في النصوصِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت