فهرس الكتاب
الدَّرْسُ السَّادِسَ عَشَرَ
(1) معنى هذا أنَّ الأصلَ الإباحةُ، ومَن ظَاهِرُه الخيرُ لا يُظَنُّ به السُّوءُ، فيُؤْكَلُ طَعَامُه ويُشْرَبُ شَرَابُه، ومَن تَلَبَّسَ بشيءٍ مِن الحرامِ وسُئِلَ عن ذلكَ فلا بَأْسَ، ولكن عليه أنْ يَسْتَبْرِئَ مِن الحرامِ ويُبْعِدَه مِن مالِه، ويَنْتَفِعَ بالحلالِ، فإذا دَخَلَ عليه مالٌ مِن الحرامِ مِن سَرِقَةٍ، أو مِن خِيَانَةٍ، أو مِن غيرِ ذلكَ مِن طُرُقِ الحرامِ، اسْتَبْرَأَ وأَبْعَدَه من مالِه، بالتحرِّي والظنِّ، وأَكْلُ البقيَّةِ سليمًا لا حَرَجَ فيه، والتوبةُ تَجُبُّ ما قبلَها.
(2) والنَّاسُ طَبَقَاتٌ، فيهم الطيِّبُ والخبيثُ، فيهم الصالحُ والطالحُ، فيهم من يُتَّهَمُ ومَن لا يُتَّهَمُ، المؤمنُ يَتَحَرَّى الخيرَ، ويَنْصَحُ للهِ ولعبادِه، ولا بأسَ أنْ يَسْأَلَ عندَ وُجُودِ الرِّيبَةِ.
(3) وهذا كلامٌ صحيحٌ؛ فإنَّ العبدَ ما دَامَتْ أحكامُ العباداتِ والتكليفِ جارِيَةً عليه، فإنَّ الواجبَ عليه أن يَخَافَ ويَرْجُوَ، وليسَ له أن يَأْمَنَ، وليسَ له أنْ يَقْنَطَ، بل يكونُ بَيْنَ الرجاءِ والخوفِ ما دام عَقْلُه معَه، وما دامَتْ أحكامُ التكليفِ جارِيَةً، أمَّا إذا ذَهَبَ عَقْلُه هَرِمَ، يعني: خَرِفَ، ذَهَبَ عَقْلُه، أو جُنَّ، سَقَطَ عنه هذا، لكن ما دامَ عقلُه معَه، فإنَّه عليه أن يَخَافَ ويَرْجُوَ، فليسَ له أنْ يَقْنَطَ بسببِ مَعَاصِيه، وليسَ له أنْ يَأْمَنَ بسببِ طاعاتِه، ويَعْجَبَ بنفسِه، ويقولَ: إنَّه ناجٍ. بل يَخَافُ ويَرْجُو، يَسِيرُ إلى اللَّهِ بينَ الخوفِ والرجاءِ، يَسْأَلُ اللَّهَ أنْ يَتَقَبَّلَ مِنه، وأنْ يُعِيذَهُ مِن غَضَبِه، وأسبابِ العذابِ، ويَرْجُو رحمةَ ربِّه جلَّ وعلا.
هذا هو الواجبُ على المؤمنِ. ولهذا حَكَى اللَّهُ جلَّ وعلا عن أهلِ الخيرِ مِن الأنبياءِ والصالحينَ، قالَ سبحانه: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} ، وقالَ في أهلِ الصلاحِ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} . فهكذا الرسلُ وأتباعُهم.
(4) وهذا الذي قالَه ابنُ خَفِيفٍ صحيحٌ أيضًا، قاله أهلُ العلمِ، مَن زَعَمَ أنَّه بعلمِه أو بدرجةٍ مِن العلمٍ، أو بمنزلةٍ من العلمِ، أو بوصفٍ يَتَّصِفُ به من العلمِ يَخْرُجُ عن التكليفِ، ويَبْقَى حُرًّا، له أنْ يَفْعَلَ ما يشاءُ، لا يُصَلِّى ولا يصومُ، وله أنْ يَزْنِيَ، وله أنْ يَفْعَلَ كلَّ شيءٍ، هذا مُلْحِدٌ في الدينِ, زِنْدِيقٌ, كافرٌ باللَّهِ بإجماعِ المسلمينَ - نعوذُ باللَّهِ - لأنَّ المؤمنَ ليسَ لِعَمَلِه أجلٌ إلا الموتُ، إلاَّ إذا اخْتَلَّ عَقْلُه، قالَ سبحانه وتعالى لنبيِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأفضلِ الخلقِ: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} .
فلابدَّ مِن العملِ حتى يَأْتِيَ الموتُ، ولا يَسْقُطُ التكليفُ عن أحدٍ مِن النَّاسِ؛ لأنَّه بَلَغَ من العلمِ كذا، أو مِن العبادةِ كذا، أو مِن العُمُرِ كذا، إلا إذا جُنَّ أو خَرِفَ فتَغَيَّرَ عقلُه، فسَقَطَ التكليفُ حينَئِذٍ، وأمَّا أنَّه في منزلةٍ مِن العلمِ - كما يقولُ بعضُ الصوفيةِ - يَسْقُطُ عنهم التكليفُ، فلهم أنْ يَفْعَلُوا ما يَشَاؤُونَ مِن المعاصي، ولهم أنْ يَدَعُوا الصلواتِ والصيامَ، هذا جنونٌ, بَلاءٌ، وهو من الكفرِ البَوَاحِ، والعياذُ باللَّهِ.
(5) وهذا حقٌّ، مثلَ ما قالَ المؤلِّفُ، مَن زَعَمَ أنَّه يُشْرِفُ على أمورِ الخلقِ ومقاماتِهم، ويَعْرِفُ منازِلَهم عندَ اللَّهِ، بغيرِ الوحيِ، فهذا ضالٌّ مُضِلٌّ، كافرٌ مُلْحِدٌ، يَدَّعِي علمَ الغيبِ، هكذا مَن يَزْعُمُ أنَّه يَعْلَمُ أمورَ النَّاسِ، ومتى يَمُوتُونَ، ومتى يُبْعَثُونَ، كلُّ هذا رِدَّةٌ عن الإسلامِ؛ لأنَّ اللَّهَ يقولُ: {قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} . يقولُ جلَّ وعلا لنَبِيِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} . ثُمَّ قالَ: {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .
مَن زَعَمَ أنَّ له إشرافًا على الخَلْقِ، وأنَّه مُوَكَّلٌ بالخَلْقِ، أو أنَّه يَعْلَمُ أحْوَالَهم وأوقاتَ مَوْتِهم، ونهايةَ آجالِهم، وأنَّه يَعْلَمُ مصيرَهم عندَ اللَّهِ، ومنازِلَهم، فهذا إمَّا مجنونٌ مِن المجانينِ والمعاتِيهِ، وإمَّا زِنْدِيقٌ مُرْتَدٌّ كافِرٌ. نَسْأَلُ اللَّهَ العَافِيَةَ.