فهرس الكتاب
(6) المقصودُ مِن هذا كلِّه بيانُ أنَّ صفاتِ الربِّ غيرُ صفاتِ المخلوقينَ، وأنَّ اللَّهَ سبحانه بصفاتِه بائِنٌ مِن خَلْقِه، مُسْتَقِلٌّ عن خَلْقِه، فوقَ عرشِه، فوقَ جميعِ الخلقِ، لا تُشْبِهُ صفاتُه صفاتِ خلقِه، بل هو سبحانه الكاملُ في ذاتِه، وفي جميعِ صفاتِه، مُنَزَّهٌ عن مُشَابَهَةِ المخلوقينَ في كلِّ شيءٍ، كما قالَ عزَّ وجلَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} .
وإنَّما ذُكِرَتِ الإشارةُ في بعضِ الأحاديثِ إلى الصفةِ مِن بابِ التحقيقِ، كما ذَكَرَ عندَ قولِه: (يَضَعُ السماواتِ على إِصْبَعٍ، والأَرَضِينَ على إِصْبَعٍ) . ويُشِيرُ إلى أصابِعِه، يعني: مِن بابِ التحقيقِ، أنها أصابعُ حقيقةً، وهكذا الإشارةُ إلى العَيْنِ وإلى السمعِ، المرادُ إثباتُ أنَّه حقٌّ، وأنَّه سَمْعٌ حقيقةً، وبَصَرٌ حَقِيقَةً، وأُصْبَعٌ حقيقةً، ويَدٌ حقيقةً، وليسَ المرادُ التشبيهَ والتمثيلَ.
(7) وذلك لأنَّ الأرواحَ جُمْلَةٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ خَلَقَها سبحانه، {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ، فأرواحُ الحيواناتِ، وأرواحُ بني آدَمَ، وأرواحُ الجِنِّ، جميعُ الأرواحِ كلُّها مَخْلُوقَةٌ للهِ، مَرْبُوبَةٌ، تُنَعَّمُ وتُعَذَّبُ، يُصِيبُها ما يُصِيبُ غيرَها، واللَّهُ خالِقُها سبحانه وتعالى، أَرْوَاحُ الأخيارِ وأرواحُ الأشرارِ، أرواحُ العُقلاءِ، وأرواحُ البهائِمِ، كلُّها مخلوقةٌ للهِ سبحانه وتعالى.
(8) ليسَ في المخلوقاتِ شيءٌ مِن ذاتِ اللَّهِ، بل اللَّهُ سبحانه بجميعِ صفاتِه مُسْتَقِلٌّ بائِنٌ مِن خلقِه جلَّ وعلا، ليسَ في ذاتِه شيءٌ مِن خلقِه، وليسَ في خلقِه شيءٌ مِن ذاتِه جلَّ وعلا، ولهذا قالَ أبو نِذَارٍ: نَعْرِفُ رَبَّنَا بأنه فوقَ سماواتِه، على عرِشه، بائِنٌ مِن خلقِه، سبحانه وتعالى.
(9) يعني: أنَّ القرآنَ هو كلامُ اللَّهِ، وإنْ كانَ حالاًّ في الصُّدُورِ مِن جِهَةِ الحِفْظِ، فليسَ هو كلامَ المخلوقينَ؛ فإنَّ المخلوقَ يَتْلُوه على أنَّه كلامُ اللَّهِ، يَحْفَظُه على أنَّه كلامُ اللَّهِ، يَكْتُبُه على أنَّه كلامُ اللَّهِ، يَسْمَعُه على أنَّه كلامُ اللَّهِ، فكيفَما تَصَرَّفَ فهو كلامُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، مَقْرُوءًا محفوظًا مكتوبًا مسموعًا هو كلامُ اللَّه، بجميعِ النواحي، أَنْزله على نبيِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(10) المَطْلَبِيُّ يعني: الشافعيَّ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وهذه العباراتُ فيها بعضُ الإجمالاتِ، ومرادُه أنَّ التلحينَ في القرآنِ والتمْغِيطَ والزيادةَ في الكلامِ لا يَجُوزُ؛ لأنَّه يُخْرِجُ القرآنَ عن مَوْضِعِه، وإنَّما المشروعُ الترْتِيلُ والعنايةُ بإعطاءِ الحروفِ حَقَّها، أمَّا التلحينُ الذي يُخْرِجُ القرآنَ عن وَضْعِهِ لزياداتٍ كثيرةٍ أو تَشْبِيهِه بالأغاني، وتَضْيِيعِ أوقاتِ النَّاسِ في غيرِ طائلٍ فهذا ممنوعٌ.
كذلكَ ما يَتَعَلَّقُ بالتعبُّدِ للأغاني [لعلها: بالأغاني] ، وما أحْدَثَه الصوفيَّةُ مِن رُبَعِيَّاتٍ في أشعارِهم، وغيرِ ذلك، إنْ كانَ ذلك على وجهِ التعبُّدِ، ذَكَرَ المؤلفُ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّه كفرٌ؛ لأنَّه استحلالٌ لِمَا حرَّمَ اللَّهُ مِن البِدَعِ المُنْكَرَةِ، التي أَجْمَعَ العلماءُ على إنكارِها، وكلُّ مَنِ اسْتَحَلَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ ممَّا أَجْمَعَ عليه المسلمونَ، كاسْتِحْلالِ الزنا والخَمْرِ، يكونُ كُفْرًا أكْبَرَ. نَسْأَلُ اللَّهَ العَافِيَةَ.
ومِن البِدَعِ أيضًا التعَبُّدُ بالرَّقَصَاتِ والأغاني في مدحِ فلانٍ وفلانٍ، ومَدْحِ النساءِ، أو غيرِ ذلك، هذا أيضًا مِن البِدَعِ، وهو مِن المُنْكَرِ، أمَّا الأشعارُ التي في مَدْحِ الخيرِ والدعوةِ إلى الخيرِ، على لُحُونِ العربِ وعلى طريقةِ العربِ، هذا لا بَأْسَ به، كما أَنْشَدَ حَسَّانُ الرسولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هَجْيِ المشركينَ، وكما أنْشَدَهُ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ وابنُ رَوَاحَةَ، فالأشعارُ التي هي بعيدةٌ عن الشرِّ لا بأسَ بها، فالشعرُ حَسَنُه حَسَنٌ وقَبِيحُه قَبِيحٌ. والمرادُ بهذا التفصيلُ في هذه الأمورِ، وإنْ كانَتْ عِبارتُه فيها بعضُ الإجمالِ.
(11) وهذا هو الحقُّ؛ فإنَّ المؤمنَ مأمورٌ بالعملِ والكَسْبِ، مثلَ ما قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ) ). وقالَ: (( لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدٌ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ سُؤَالِ النَّاسِ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ) ).
ولَمَّا سُئِلَ: أيُّ الكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قال: (( عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ ) ). وقالَ: (( مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ) ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.