الصفحة 36 من 44

الدرسُ التاسعَ عَشَرَ

(1) وهذا قولُ أهلِ الحقِّ؛ وأنَّ قولَ مَن قالَ: اسْتَوْلَى على العرشِ، أو قَهَرَ عليه، أو غَلَبَ عليه. قولٌ باطلٌ؛ لأنَّه مُسْتَوْلٍ على كلِّ شيءٍ، وهو بِيَدِه كلُّ شيءٍ سبحانه وتعالى، وإنما هذا صِفَةُ العلوِّ، صفةٌ خاصَّةٌ للعرشِ، وهو العلوُّ فوقَه والاستواءُ عليه، مِن اللَّهِ سبحانه وتعالى.

(2) هذا رَدٌّ على أهلِ التأويلِ مِن أهلِ الكلامِ، الذين يُؤَوِّلُونَ اليَدَ بالقدرةِ أو بالنعمةِ، وأنَّ هذا باطلٌ غيرُ معروفٍ عندَ العربِ، إذا قالَتِ العربُ: فَعَلْتُ بِيَدِي هذا. تُرِيدُ أنَّها باشَرَتِ الأشياءَ. واللَّهُ خاطَبَ العربَ بما يَعْقِلُونَ ويَفْهَمُون؛ فلهذا قالَ سبحانه: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} إلى غيرِ ذلكَ مِن النصوصِ الدالَّةِ على إثباتِ اليديْنِ له سبحانه، على الوجهِ اللائِقِ به، مِن غيرِ مُشَابَهَةٍ لخلقِه سبحانه وتعالى، وهكذا بَقِيَّةُ الصفاتِ؛ {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} ، {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} ، (( إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ ) )إلى غيرِ هذا، كلُّ هذا على الطريقةِ المعروفةِ، وهي إمرارُها كما جاءَتْ، معَ الإيمانِ بأنَّها حقٌّ، وأنَّها أَوْصَافُ اللَّهِ تَلِيقُ به سبحانه وتعالى، لا يُشَابِهُ فيها خلقَه جلَّ وعلا.

(3) هذا أبو بكرٍ البَاقِلاَّنِيُّ، ماتَ سنةَ أربعِمائةٍ وثلاثةٍ في أوَّلِ القَرْنِ الخامِسِ.

(4) والمعنى في هذا: أنَّ صفاتِه كلَّها جلَّ وعلا يُبَايِنُ فيها المخلوقينَ، فلا يَلْزَمُ من إثباتِها أنْ يكونَ مُشَابِهًا للمخلوقينَ، فكما لا يَلْزَمُ في ذاتِه، ولا في سمعِه، ولا في بصرِه، فكذلك لا يَلْزَمُ في يَدِهِ، ولا في إِصْبِعِه، ولا في قَدَمِه، ولا في سائِرِ صِفاتِه، كلُّها بابُها واحدٌ؛ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} ، {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} البابُ واحدٌ، يَجِبُ أنْ تُمَرَّ كلُّها كما جاءَتْ، معَ الإيمانِ القاطعِ الجازمِ بأنَّها تَلِيقُ به سبحانه، وأنَّه لا يُشَابِهُ فيها خَلْقَه. هكذا قالَ أهلُ السنَّةِ والجماعةِ في جميعِ أسمائِه وصفاتِه سبحانه وتعالى.

(5) يُشِيرُ بهذا إلى أنَّه يُدْعى مِن أعلى سبحانه وتعالى.

(6) وهذا هو الحقيقةُ، إنَّما يُذْكَرُ كَلاَمُهم للردِّ على الخُصُومِ، وإلا فالمسلمونَ وأهلُ السنَّةِ مُسْتَغْنُونَ بكلامِ اللَّهِ وكلامِ رسولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكلامِ أصحابِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن كلِّ كلامٍ، ولكِنْ يُذْكَرُ كلامُ أهلِ العلمِ مِن بابِ الاستشهادِ والردِّ على الخُصُومِ، وأنَّ هؤلاءِ العلماءَ تَلَقَّوُا الكِتَابَ والسنَّةَ كما جاءَتْ، وآمَنُوا بها وصَدَّقُوا بها وانْقَادُوا لها، وهم حُجَّةٌ على مَن سِوَاهُم.

(7) وهذا واقِعٌ، كَثِيرٌ مِن الناسِ لتَقْلِيدِه وعَمَاه، لو يُؤْتَى بكلِّ شيءٍ لا يُؤْمِنُ، حتى إذا جِيءَ بشيءٍ مِن كلامِ أئِمَّتِه قَنِعَ لنا بذلك، فلهذا يُنْقَلُ كلامُ أهلِ العلمِ مِن المؤلفينَ حتى يَنْقَادُوا للحقِّ الذي دَلَّتْ عليه الآياتُ والأحاديثُ النَّبويةُ، لا لأنَّ الحُجَّةَ في كلامِ المنقولِ عنهم مِن العلماءِ المتأخِّرِين، لا، ولكن لأجلِ إقناعِ غيرِهم، ودعوةِ غيرِهم إلى الحقِّ الذي دَلَّ عليه كتابُ اللَّهِ وسنَّةُ رسولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(8) وهذا الذي قالَه أبو المعالي هو الحقُّ, وأنَّ أهلَ السنَّةِ والجماعةِ - وهم السلفُ الصالحُ - نَصُّوا على هذا، وتَرَكُوا التأويلَ الذي خَاضَهُ الجَهْمِيَّةُ وأشباهُهم.

وقولُه: (نُفَوِّضُ المَعْنَى) يعني الكَيْفِيَّةَ، أما المعاني فمعلومةٌ، وليسَ مُرَادُه رأيَ المُفَوِّضَةِ الذين يقولون: إنَّ اللَّهَ خاطَبَ الناسَ بما لا يَفْهَمُونَ ولا يَعْقِلُونَ، وهؤلاءِ شَرٌّ مِن الجَهْمِيَّةِ، وإنَّما مُرَادُهُ أنْ نُفَوِّضَ المعنى مِن جهةِ الكَيْفِ، كما قالَ مالكٌ وغيرُه، وابنُ المُبَارَكِ، وسُفْيَانُ، وغيرُهم: أَمِرُّوها بِلا كَيْفٍ. يعني: آمِنُوا بها، وأَمِرُّوها مِن دونِ أنْ تُكَيِّفُوا الصفاتِ، فالمعنى معروفٌ، الاستواءُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت