الصفحة 35 من 44

الدرسُ الثامِنَ عَشَرَ

(1) ما تَقَدَّمَ مِن الكلامِ الذي نَقَلَه عن أهلِ السنَّةِ والحديثِ: أنه ليسَ بجِسْمٍ. مَحَلُّ نَظَرٍ، قد أَنْكَرَه أبو العبَّاسِ في كِتَاِبه (التَّدْمُرِيَّةِ) وفي مَوَاضِعَ أُخْرَى، وبَيَّنَ أنَّ أهلَ السنَّةِ والجماعةِ لا يَنْفُونَ الجِسْمَ ولا يُثْبِتُونَه؛ لعَدَمِ وُرُودِه، فلا يُقَالُ: هو جِسْمٌ وليسَ بجسمٍ؛ لأنَّ هذه الكلمةَ مُحْتَمِلَةٌ، فيها إجمالٌ، وإنَّما يقولونَ ما جاءَتْ به النصوصُ، فيقولونَ: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وهكذا ما جاءَتْ به النصوصُ، أمَّا هو جسمٌ أو ليسَ بجسمٍ، هذا لم تَرِدْ به النصوصُ، فلا يَجُوزُ نفيُه ولا إثباتُه، فكما أنَّه له ذاتٌ ليسَتْ مِثْلَ الذواتِ، فله ذاتٌ حقيقةً وسَمْعٌ حقيقةً وبصرٌ حقيقةً، لا تُشْبِهُ المخلوقينَ.

وأمَّا نَفْيُ الجسمِ وإثباتُ الجسمِ فلم تَرِدْ به النصوصُ، ومَن أَثْبَتَه وقالَ: هو جسمٌ لا كالأجسامِ، له سمعٌ وبصرٌ ونحوُ ذلك. هو حقيقةٌ. ومَن نَفَاهُ أنَّه ليس له ذاتٌ, هذا كُفْرٌ وضلالٌ , إذا أرادَ به هذا المعنى.

فلهذا الصوابُ أنَّه لا يُنْفَى ولا يُثْبَتُ، لا يُقالُ: ليسَ بجسمٍ ولا هو جِسْمٌ؛ لعدمِ وُرُودِه في الأدلَّةِ؛ لأنَّ الأدلةَ لم تَرِدْ بهذا اللفظِ، ولم يَنْطِقْ به الصحابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عليهم وأَرْضَاهُم. فيُنْطَقُ بما جاءَ به النصوصُ ويُكْتَفَى بذلك {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، {لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ، {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} .

وجاءَ في الحديثِ الصحيحِ: (( وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ ) )في حديثِ شِعْرِ خُبَيْبٍ، وجاءَ في حديثِ كَذِبَاتِ إبراهيمَ: (( كُلُّهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ ) ). فله ذاتٌ لا تُشْبِهُ الذواتِ سبحانه وتعالى، ذاتٌ وُصِفَتْ بالسمعِ والبصرِ والوجهِ واليَدِ وغيرِ ذلك، على الوجهِ اللائِقِ باللَّهِ سبحانه وتعالى.

(2) على إِصْبِعٍ. يعني: يومَ القيامةِ، والماءُ والثَّرَى على إِصْبِعٍ، والشجرُ والجبالُ على إِصْبِعٍ، وسائرُ خلقِه على إصبعٍ، ثم يَهُزُّهُنَّ فيقولُ: أنا المَلِكُ، أنا الجَبَّارُ، أينَ الجَبَّارُونَ؟ أينَ المُتَكَبِّرُونَ؟ كما ثَبَتَ في الصحيحيْنِ من حديثِ ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه.

(3) وهذا هو مذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يَزِيدُ بالطاعةِ ويَنْقُصُ بالمعصيةِ، قولُ القلبِ واللسانِ وعملُ القلبِ والجوارحِ، يَزْدَادُ بالطاعاتِ والذِّكْرِ، ويَنْقُصُ بالمعصيةِ والغَفْلَةِ.

ويُرَدُّ بهذا على المُعْتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ والخَوَارِجِ، الذين يقولون: لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ. ويقولُ بعضُهم كالجَهْمِيَّةِ: إنه مجردُ المَعْرِفَةِ. فأهلُ السنَّةِ والجماعةِ وَسَطٌ بينَ هذه الطوائفِ الضَّالَّةِ، فهم يقولون: إنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ، يَزِيدُ بالطاعاتِ ويَنْقُصُ بالمعاصي.

وأمَّا قولُ الخوارجِ: إنَّه لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وإنَّ مَن عَصَى كَفَرَ. فهم ضالُّون في هذا القولِ، وهكذا المُعْتَزِلَةُ. نَسْأَلُ اللَّهَ العافِيَةَ.

(4) هذه الآيةُ آيةُ النَّجْمِ، الصوابُ فيها أنَّه جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.

(5) وهذا يُبَيِّنُ رَحِمَهُ اللَّهُ لنا أنَّ قولَه:"فِي السَّمَاءِ"يعني: على السماءِ؛ فإنَّ"في"المؤلفُ يُشِيرُ إلى أنَّ المرادَ بالسماءِ: العُلُوُّ، جِنْسُ العُلُوِّ، ولهذا قالَ جلَّ وعلا: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ، والعرشُ فوقَ السماواتِ.

وقولُه {ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} يعني: في العُلُوِّ، ومِن العلوِّ العرشُ، فهو مِن العلوِّ. والمعنى الثاني أنَّ (في) بمعنى (على) إذا أُرِيدَ بالسماءِ السماءُ المبنيَّةُ القائمةُ، يعني: مَن على السماءِ، كما قالَ تعالى: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ} يعني: على الأرضِ، {لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} يعني: على جُذُوعِ النخْلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت