فهرس الكتاب
الدرسُ السابعَ عَشَرَ
(1) وهذا علمٌ عظيمٌ وفقهٌ عظيمٌ، فَرْقٌ بينَ هذا وهذا؛ مُسْتَوٍ على العرشِ ومُحِيطٍ بكلِّ شيءٍ، مُحْتَوٍ على كلِّ شيءٍ.
والاستواءُ غيرُ الاستيلاءِ وغيرُ المُلْكِ، فَبَيَّنَ مَذْهَبَ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ في هذا، وأنَّ الاستواءَ غيرُ الاستيلاءِ وغيرُ المُلْكِ، وغيرُ إحاطةِ العلمِ، وهذا هو الحقُّ، {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} يعني: علا فوقَ العرشِ، وارْتَفَعَ فوقَ العرشِ سبحانه وتعالى على وجهٍ يَلِيقُ بجلالِه، لا يُشَابِهُ خلقَه في اسْتِوَائِهم، وهو غيرُ الاستيلاءِ وغيرُ المُلْكِ وغيرُ الإحاطةِ بالعلمِ، وعِلْمُه محيطٌ بكلِّ شيءٍ.
(2) هذا كلامٌ عظيمٌ، كلامُه رَحِمَهُ اللَّهُ كلُّه كلامٌ عظيمٌ وكلامٌ رَزِينٌ قَوِيٌّ مُوَافِقٌ للحقِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
(3) بسببِ مَيْلِه إلى الأشعرِيِّينَ، حَصَلَ له مِن الأغلاطِ ما حَصَلَ، وابنُ عبدِ البرِّ في هذا أعْلَمُ منه بمذهبِ أهلِ السنَّةِ، وأسْلَمُ مِنه وأكبرُ شأنًا، والبَيْهَقِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- له علمٌ وله حِفظٌ وله دِرَايَةٌ عظيمةٌ، ولكنَّه وَقَعَتْ له أغلاطٌ في التأويلِ بسببِ تَوَلِّيه الأَشْعَرِيِّينَ مِن أصحابِ أبي الحسَنِ الأشعريِّ. واللَّهُ المُسْتَعَانُ.
(4) قولُه: الجَارِحَة. هذا مِمَّا دَخَلَتْ عليه أيضًا.
(5) لم يُفَسِّرُوها. أي: لم يَتَأَوَّلُوها، بل أَمَرُّوها كما جاءَتْ مِن غيرِ تأويلٍ، معَ الإيمانِ بها، وأنَّها حقٌّ، بلا تَكْيِيفٍ، كما قالوا في الاستواءِ وغيرِ ذلكَ، هذا قولُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، خلافًا للمتكَلِّمِينَ المتأوِّلِينَ.
والبَيْهَقِيُّ وَقَعَ له أشياءُ مِن التأويلِ تَبِعَ فيها الأشاعِرَةَ، وغَلِطَ فيها رَحِمَهُ اللَّهُ، والذي عليه أهلُ السنَّةِ والجماعةِ هو تَرْكُ التأويلِ، والإيمانُ بجميعِ الصفاتِ والأسماءِ الثابتةِ في القرآنِ الكريمِ، وفي السنَّةِ المطهَّرَةِ، إيمانًا ليسَ معَه تأويلٌ ولا تَكْيِيفٌ، معَ الإيمانِ بمعناها، وأنَّها حقٌّ، وأنَّها صفاتٌ للهِ لائقةٌ باللَّهِ سبحانه وتعالى، يَدٌ حقيقَةً، قَدَمٌ حقيقةً، سَمْعٌ حقيقةً، إلى غيرِ ذلك، لكن لا يُشَابِهُ خَلْقَه في شيءٍ مِن صفاتِه جلَّ وعلا؛ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} سبحانه وتعالى.
(6) يعني: لأجلِ الإِيهامِ، والتَّوَقُّفُ مِن كلامِ أهلِ البِدَعِ، فالقرآنُ كلامُ اللَّهِ وليسَ بمخلوقٍ، مِنه بَدَأَ وإليه يَعُودُ. وقولُ السلَفِ: لا يُقالُ: لفظي بالقرآنِ مخلوقٌ، ولا لفظي بالقرآنِ غيرُ مخلوقٍ؛ لأنَّ فيه إجمالًا، فإنْ أَرَادَ باللفظِ الصوتَ فهو مخلوقٌ، وإنْ أرادَ باللفظِ الملفوظَ به، وهو القرآنُ، فهو غيرُ مخلوقٍ، هو كلامُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ؛ فلهذا أنْكَرُوا هذه العبارةَ؛ لئلا تُتَّخَذَ وَسِيلَةً لرأيِ الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ.
(7) = (وتفقد المآكِل والمَشَارِب) يعني: عن الحرامِ، يعني: يَتَحَرَّزُونَ مِن الحَرَامِ، ويَجْتَهِدُونَ في طَلَبِ الحلالِ، هكذا قولُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، يَتْرُكُونَ الجَدَلَ والمِرَاءَ إلا بحقٍّ، كما قالَ جلَّ وعلا: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} .
(8) قدْ أَحْسَنَ في ذلك رَحِمَهُ اللَّهُ.