فهرس الكتاب
الدَّرْسُ الثالثُ والعشرونَ
(1) والمعنى: أنَّا نُثْبِتُ صفاتِ اللَّهِ وأسماءَه على الوجهِ اللائِقِ به، سواءٌ كانَتْ مِن أسماءِ المعاني كالعِلْمِ والقُدْرَةِ، ونحوِ ذلك، أو مِن أسماءِ الذواتِ كالوجهِ واليَدِ والقَدَمِ، والسمعِ والبصرِ ونحوِ ذلكَ، كلُّها يَجِبُ إثباتُها للهِ على الوجهِ اللائقِ به، مِن غيرِ أنْ يُشَابِهَ خَلْقَه في شيءٍ مِن صفاتِه، فصفاتُ المخلوقينَ مِن وُجُوهِهِم وأيديهم وعُلُومِهم يَعْتَرِيها النَّقْصُ والعَدَمُ والضَّعْفُ، فالمخلوقُ يَمُوتُ ويَعْمَى ويُصِيبُه ما يُصِيبُه من الآفاتِ، أمَّا اللَّهُ عزَّ وجلَّ فهو مُنَزَّهٌ عن هذا كلِّه، لا يَعْتَرِي صِفَاتِه نَقْصٌ بوجهٍ مِن الوجوهِ، بل له الكمالُ المطلقُ مِن كلِّ الوجوهِ؛ في ذاتِه وأسمائِه وصفاتِه، لا شَبِيهَ له، ولا كُفْءَ له، ولا نِدَّ له سبحانه وتعالى.
(2) يعني: أنَّ ما في الجنَّةِ مِن النعيمِ لا يُشْبِهُ ما في الدنيا، بل بينَهما فرقٌ عظيمٌ، فكيفَ بحالِ الخالِقِ سبحانه وتعالى، فاللَّهُ أَوْلَى بأنْ يكونَ مُخَالِفًا لما عليه المخلوقونَ، وله الكمالُ الكاملُ سبحانه وتعالى، ولا يُشَابِهُ مخلوقاتِه،.
(3) المقصودُ مِن هذا أنَّ الرُّوحَ بها عِبْرَةٌ للعاقِلِ، هذه الرُّوحُ التي بها حياةُ الإنسانِ، وبها تَصَرُّفَاتُه وعِلْمُه وغيرُ ذلكَ عِبْرَةٌ، فجَهْلُه بها يَكْفِيه أنْ يَقِفَ عندَ حَدِّهِ، ولا يَتَكَلَّفَ ما لا عِلْمَ له به، إذا جَهِلَ رُوحَه فكيفَ يَطْلُبُ أنْ يَعْلَمَ كَيْفِيَّةَ الربِّ وكُنْهَه سبحانه وتعالى؟!
واللَّهُ قد نَهاه عن هذا، وبَيَّنَ له أنَّه لا مَثِيلَ له، ولا كُفْءَ له، فهو بهذا يُكَابِرُ ويَطْلُبُ شيئًا مُنِعَ منه، ولا سَبِيلَ له إليه، فهو أعْجَزُ وأقلُّ مِن أنْ يَعْرِفَ كيفيَّةَ رَبِّهِ وكُنْهَهُ سبحانه وتعالى، وهذه رُوحُه بينَ جَنْبَيْهِ، وما يَعْرِفُ حَقِيقَتَها ولا كُنْهَهَا، وإنَّما يَعْرِفُ شيئًا مِن صفاتِها؛ مِن خُرُوجِها ورُجُوعِها، وغيرِ ذلكَ مما أَخْبَرَ اللَّهُ به عنها: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} معَ أنَّها هي قِوَامُ هذا البَدَنِ، بخُرُوجِها يكونُ كسائرِ الجماداتِ.
(4) وهذا القِسْمُ يُسَمُّونه المُفَوِّضَةَ الأَوَّلِينَ، المُعَطِّلَةُ عَطَّلُوا صفاتِه، وهؤلاء فَوَّضُوها، زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ خَاطَبَهُم بما لا يَعْلَمُونَ، وهذه الطائفةُ أقبحُ أيضًا مِن الطائفةِ الأولى من بعضِ الوجوهِ. وأهلُ السنَّةِ يقولون: إنَّها حقٌّ، وإنَّها صفاتٌ معلومةٌ، لكن لا يَعْلَمُ كَيْفِيَّتَها إلا اللَّهُ.
(5) الاستواءُ معروفٌ، وهو الارتفاعُ والعلوُّ، والرحمةُ معلومةٌ، والسمعُ معلومٌ، والبَصَرُ معلومٌ، ولكنها ليسَتْ مِثْلَ صِفَاتِنا.
سؤالٌ: أحْسَنَ اللَّهُ إليكم، مَرَّتْ عِبارةٌ في قولِه: (وَمَن حَكَى عن الناسِ المقالاتِ وسَمَّاهُم بهذه الأسماءِ المكذوبةِ؛ بِناءً على عَقِيدَتِهم التي هم مُخَالِفُونَ لهم فيها، فهو ورَبُّه، واللَّهُ مِن وَرَائِهِ بالمِرْصَادِ)
الجوابُ: يعني مصيرَه إلى ربِّه، اللَّهُ هو الذي يُجَازِيه.