الصفحة 5 من 44

الدرْسُ الثالثُ

(1) وهذا يُبَيِّنُ لكَ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قولِ المؤلِّفِ: (وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ صَدَرَتْ مِنْ عَالِمٍ لأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَعْنًى) . هذا ليسَ بشيءٍ، وأنَّ هذه ـ واللَّهُ أعلمُ ـ جملةٌ مُدْخَلَةٌ على المؤلِّفِ، ليسَ لها أصلٌ في كلامِه؛ لأنَّها عِبارةٌ خَبِيثَةٌ في حَقِّ مَن قالَها، أنَّ طريقةَ السلَفِ أسْلَمُ، وطريقةَ الخَلَفِ أعلمُ وأحكمُ، لا يَقُولُها عالمٌ , ولا مُتَبَصِّرٌ , ولا عاقلٌ يَعْقِلُ ما يقولُ.

(2) كلُّ هذه طُرُقٌ دَالَّةٌ على عُلُوِّ اللَّهِ وفَوْقِيَّتِه، وأنَّه فوقَ العرشِ وفوقَ جميعِ الخلْقِ، وساقَ قولَه تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} ، {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} ، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} . فالصعودُ والعُرُوجُ إلى العُلُوِّ والرَّفْعُ كذلك، وهكذا: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ، {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} إلى غيرِ هذا، كلُّها طُرُقٌ مِن الطُّرُقِ الدالَّةِ على عُلُوِّه سبحانه وفَوْقِيَّتِه جلَّ وعلا.

(3) قولُه تعالَى: {ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} عندَ أهلِ العِلْمِ يُفَسَّرُ بوَجْهَيْنِ:

أحدُهما: أنَّ"فِي"بمعنى"على"، فيكونُ معنى {فِي السَّمَاءِ} يعني: على السماءِ، فيَشْمَلُ عُلُوَّهُ في السماواتِ والعرشِ وأنَّه فوقَ العرشِ.

والتفسيرُ الثاني: أنْ تكونَ السماءُ بمعنى العُلُوِّ، وتكونُ (في) على بابِها؛ الظرفيَّةِ، وأنَّ معنى {فِي السَّمَاءِ} يعني: في العُلُوِّ، والمرادُ بالعلوِّ هنا ما فوقَ العرشِ.

(4) وهذا في صحيحِ مسلمٍ.

(5) وهذا مُتَّفَقٌ عليه في الصحيحيْن.

(6) المقصودُ مِن هذا كلِّه واضحٌ في أنَّ الأدِلَّةَ المتواترةَ والمُسْتَفِيضَةَ مِن السنَّةِ والآثارِ الواردةِ عن الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم وأرضاهم تُؤَيِّدُ ما في القرآنِ مِن عُلُوِّ اللَّهِ وفَوْقِيَّتِه، معَ أنَّ النصَّ القرآنِيَّ كافٍ، ونَصَّ السنَّةِ كافٍ، وإجماعَ سَلَفِ الأمةِ كافٍ أيضًا، فقدِ اجْتَمَعَتْ في هذه المسألةِ الأصولُ كلُّها؛ القرآنُ والسنَّةُ والإجماعُ، كلُّها مُجْتَمِعَةٌ على إثباتِ علوِّ اللَّهِ فوقَ جميعِ خلقِه , وأنَّه فوقَ العرشِ، وأنَّه فوقَ جميعِ الخَلْقِ، وعِلْمُهُ في كلِّ مكانٍ سبحانه وتعالى، ثم يأتي هؤلاء الضَّالُّونَ الزَّنَادِقَةُ مِن جَهْمِيَّةٍ ومُعْتَزِلَةٍ , ويُنْكِرُونَ هذا الأمرَ العظيمَ المتواتِرَ المُسْتَفِيضَ، هذا مِن أَمْحَلِ المُحَالِ وأضَلِّ الضلالِ. نسألُ اللَّهَ العافيةَ.

(7) يعني: أنَّ هذه الأقوالَ مِن كلامِ أهلِ البِدَعِ والكلامِ المُنْكَرِ، أمَّا السَّلَفُ الصالحُ فقد طَهَّرَهُمُ اللَّهُ مِن هذا، فقَوْلُهُم واحدٌ، وهو: أنَّ اللَّهَ فوقَ العرشِ فوقَ جميعِ الخلقِ، سبحانه وتعالى، قدِ اسْتَوَى على عرشِه اسْتِوَاءً يَلِيقُ بجلالِه وعَظَمَتِه، فهو في السماءِ في العلوِّ فوقَ جميعِ الخلْقِ، وفوقَ العرشِ بالذاتِ، بالنصِّ قدِ اسْتَوَى عليه اسْتِوَاءً يَلِيقُ بجلالِه وعَظَمَتِه، لا يُشَابِهُ خَلْقَه في شيءٍ مِن صِفاتِهم جلَّ وعلاَ.

(8) وهذا مِن كلامِ الجَهْمِيَّةِ الباطِلِ، وهذا الكلامُ يَقْتَضِي العَدَمَ. نَعُوذُ باللَّهِ.

(9) يعني: على هذا الرأيِ الفاسِدِ، ولهذا يُعْلَمُ مِن هذه الأُسُسِ بُطْلانُ ما عليه أهلُ البدعِ مِن الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ وغيرِهم مِن نُفَاةِ الصفاتِ، وهم مُلْحِدُونَ في ذلك. واللَّهُ المُسْتَعَانُ.

(10) وبهذا يَتَبَيَّنُ للمؤمنِ العاقلِ وصاحِبِ البَصِيرَةِ أنَّ ما جاءَ به الكتابُ والسنَّةُ , ودَرَجَ عليه سلفُ الأمةِ، هو الحقُّ الذي لا رَيْبَ فيه، وهو الهُدَى الذي ليسَ بعدَه إلا الضَّلاَلُ، وهو إثباتُ أسماءِ اللَّهِ وصفاتِه، وأنَّه فوقَ العرشِ جلَّ وعلا، وأنَّه له الأسماءُ الحُسْنَى والصفاتُ العُلَى، وأنَّ هؤلاءِ الضَّالِّينَ مِن الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ والفلاسفةِ، وأشباهِهم ممَّن حَرَّفُوا وبَدَّلُوا وغَيَّرُوا، أنَّ هؤلاءِ هم المُبْطِلُونَ، وهم الضَّالُّونَ، وهم المُنْحَرِفُونَ، وهم المُتَهَوِّكُونَ. نَسْأَلُ اللَّهَ السلامةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت