الصفحة 4 من 44

الدَّرْسُ الثاني

(1) المعنى في هذا أنَّ السلَفَ هم أعلمُ الناسِ بكتابِ اللَّهِ، وسنَّةِ رسولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأعلمُ الناسِ باللغةِ العربيَّةِ، فطريقَتُهم هي الأعلمُ وهي الأحكمُ وهي الأسلمُ؛ لأنَّ التأويلاتِ فيها الخَطَرُ العظيمُ الذي سَلَكَه المُتَأَخِّرُونَ، وأمَّا السلَفُ فقَبِلُوا النصوصَ وسَلَّمُوا لها، وآمَنُوا بما دَلَّتْ عليه ولم يَتَأَوَّلُوها؛ لعِلْمِهم وفَضْلِهم وبَصِيرَتِهم، ولبُعْدِهم عن الخَطَرِ واحْتِيَاطِهم لدِينِهم، فكانوا أسْلَمَ وأعلمَ وأحْكَمَ وأقرَبَ إلى الصوابِ، بخلافِ طريقةِ الخَلَفِ، فهي مَمْلُوءَةٌ بالأشواكِ والأخطارِ، معَ قِلَّةِ العلمِ وقِلَّةِ البَصيرةِ، والجُرْأَةِ على اللَّهِ وعلى دِينِه.

(2) وهذا غَلَطٌ وكلاهما غَلَطٌ، فليسَتْ طريقةُ السلَفِ التفويضَ، وليسَتْ طريقةُ الخَلَفِ بصوابٍ، فطريقةُ السلفِ الإيمانُ بالمعنى والتسليمُ للهِ عزَّ وجلَّ، وأنَّه حقٌّ، وأنَّه لائقٌ باللَّهِ سبحانه وتعالى، ليسوا مُفَوِّضِينَ، بل مؤمنين بالألفاظِ والمعاني، مُعْتَقِدِينَ للمعاني، مسلِّمِينَ لها على الوجهِ اللائقِ باللَّهِ سبحانه وتعالى.

(3) والتَّفْوِيضُ معناه: أن يقولَ: ما نَعْرِفُ المعنى نُفَوِّضُه إلى اللَّهِ. وهذا غلطٌ، المُفَوِّضَةُ في بعضِ ما جاءَ عن أحمدَ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ: هم شرٌّ مِن الجَهْمِيَّةِ؛ لأنَّهم اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ خاطَبَ النَّاسَ بشيءٍ لا يَفْهَمُونَه، وهذا غلطٌ. بل خاطَبَ الناسَ بما يَعْلَمُونَ ويَفْهَمُون على الوجهِ اللائقِ به سبحانه وتعالى، ولهذا قالَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فأخْبَرَهُم بالمعنى، وأنَّه حقٌّ، وأنَّه ليسَ مِن جِنْسِ ما يَفْهَمُونَ، بل هو معنًى لائِقٌ باللَّهِ سبحانه وتعالى.

أمَّا التأويلُ الذي هو صَرْفُ دَلالةِ النصوصِ عن ظاهِرِها، فهو باطلٌ، قادَهَم إليه سُوءُ ظَنِّهم باللَّهِ وعَدَمُ بَصِيرَتِهم.

(4) المقصودُ من هذا أنَّ هؤلاءِ الذين ابْتُلوا بالكلامِ وكَثَّرُوا البَحْثَ في هذهِ الأمورِ، ونَقَلُوا عن أصحابِ الكلامِ وأهلِ الحَيرةِ مانَقَلُوا، في الحقيقةِ أنَّهم ما اسْتَفَادوا شيئًا، ونَدِمَ كثيرٌ منهم على ما فَعَلَ، وكانَ آخِرُ كلامِهم ما ذَكَرَه المُؤَلِّفُ.

وهذا كلُّه يُبَيِّنُ لنا أنَّ الواجبَ على أهلِ العِلْمِ التمَسُّكُ بما كانَ عليه السلَفُ الصالحُ مِن تعظيمِ كتابِ اللَّهِ والأَخْذِ به، والأخذِ بالسنَّةِ والثَّبَاتِ عليها، ونَبْذِ ما خَالَفَ ذلك، وعَدَمِ الخَوْضِ في آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها بما يَقُولُه أصحابُ الكلامِ، الذين كَثُرَ في بابِ أسماءِ اللَّهِ وصِفاتِه اضْطِرَابُهم، وغَلُظَ عن معرفةِ اللَّهِ حِجَابُهم، بسَبَبِ إعراضِهم عن كتابِ اللَّهِ وسنَّةِ رسولِه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، فلم يَسْتَفِيدُوا مِن بَحْثِهم إلا قِيلَ وقَالَ، ومِن الخوضِ الباطلِ الذي لا نَفْعَ فيه، فيَكْفِي في الإثباتِ ما جاءَ مِن نصوصِ الإثباتِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} ، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، ويَكْفِي في النفيِ نصوصُ النفْيِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، {وَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} ، {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} ، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وأشباهُها، وهذه كافيةٌ في الإثباتِ والنفيِ، كافيةٌ في إثباتِ أسماءِ اللَّهِ وصفاتِه على الوجهِ اللائقِ باللَّهِ، مِن غيرِ تحريفٍ , ولا تَعْطِيلٍ , ولا تَكْيِيفٍ, ولا تَمْثِيلٍ.

فمَن قالَ: إنَّ هؤلاءِ المُتَأَخِّرِينَ أعْلَمُ وأحْكَمُ فقد غَلِطَ غَلَطًا عظيمًا، وقد فَقَدَ صَوَابَه، وقد أُصِيبَ في عَقْلِه وفي عِلْمِه؛ فإنَّ أهلَ السنَّةِ والجماعةِ الذين سَبَقُوا إلى هذا الأمرِ، هم الذين كانُوا أعْلَمَ باللَّهِ وأحْكَمَ في أقوالِهم وأفعالِهم، وهم الذين سَلَكُوا طَرِيقَ السلامةِ، وهي طريقُ الحِكْمَةِ والعلمِ، وطريقُ الفِقْهِ في الدينِ، وطريقُ التأَدُّبِ معَ اللَّهِ ومعَ رسولِه، فهم أولى باللَّهِ وأولى برسولِه مِن هؤلاءِ المُتَأَخِّرِينَ، فمَن قالَ: إنَّ الخَلَفَ أعْلَمُ وأحْكَمُ والسلفَ أسلمُ، فقد قالَ الباطِلَ وغَلِطَ غلطًا عظيمًا، لا وَجْهَ له، بل السلَفُ الصالحُ هم أعلمُ وأحكمُ وأسلمُ، والمُتَأَخِّرونَ هم أقلُّ علمًا وأكثرُ تَكَلُّفًا وأقلُّ حِكْمَةً وأقلُّ بَصِيرةً. نَسْأَلُ اللَّهَ السلامةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت