فالفِرْقَةُ الناجيةُ هم أهلُ الاستقامةِ، وهم الذين تَمَسَّكُوا بكتابِ اللَّهِ وسنَّةِ الرسولِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وعَظَّمُوهما ووَالَوْا عليهما، وعَادَوْا عليهما.
ولو كانَ الحقُّ في خلافِ ذلك لَبَيَّنَه فقالَ: إنَّما الحقُّ ما تَرَوْنَه بعُقُولِكُم، أو ما يَرَاهُ أشْياخُكم بعقولِهم، أو ما أشْبَهَ ذلك، فدَلَّ ذلك على أنَّ ما افْتَرَوْه مِن الكَذِبِ الذي هو تحكيمُ العقولِ والآراءِ، هو مِن أبطلِ الباطلِ، وأضلِّ الضلالِ.
(3) المقصودُ مِن هذا أنَّ هؤلاءِ وأشباهَهم وإنْ كانَ أصْلُهم الذَّنْبَ، وأنَّهم عُبَّادُ الأوثانِ وعُبَّادُ النجومِ، وعُبَّادُ الأصنامِ مِن الصَّابِئَةِ الذين يَرْأَسُهُم النَّمْرُودُ بنُ كَنْعَانَ المعروفُ، وهكذا غيرُهم مِن الكَفَرَةِ؛ مِن الرُّومِ، والمجوسِ، والحَبَشَةِ، وغيرِهم مِن أنواعِ الكفرةِ، وهم مذمومونَ وملعونونَ، يَجِبُ قِتَالُهم وجِهَادُهم، لكن مَن دَخَلَ منهم في الإسلامِ، وخَرَجَ عن دينِ أسلافِه وآبائِه، خَرَجَ عن ذلك الذنبِ و الكفرِ، وخَرَجَ عَمَّا هم عليه من الباطلِ وصارَ معَ المؤمنينَ، ودَخَلَ في قولِه تعالى: {إِِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} ؛ فإنَّ الأحكامَ تَدُورُ معَ عِلَلِها، وأوْصَافِها، فمَن تَخَلَّقَ بالباطلِ واتَّصَفَ بالباطلِ، فهو معَ أهلِ الباطلِ، ومَن خَرَجَ عن ذلك وتابَ إلى اللَّهِ واسْتَقَامَ على دينِ اللَّهِ، صارَ معَ أهلِ الإيمانِ والهُدَى، ولم يَضُرَّهُ أنه كانَ مِن الصابِئِينَ أو مِن اليهودِ أو مِن المجوسِ، فمتى تابَ إلى اللَّهِ وخَرَجَ عمَّا هو عليه مِن الباطلِ إلى الحقِّ، صارَ مِن عِبَادِ اللَّهِ المُقَرَّبِينَ، ولم يَضُرَّه أصلُه.
(4) يُقالُ له: مِرِّيسِيٌّ ومِرِيسِيٌّ بالتخفيفِ والتثقيلِ؛ نِسْبَةً إلى قريةٍ في مِصْرَ.
(5) يعني: تَنَاقَلُوها وتَوَارَثُوها، وهكذا مَن بعدَهم, شُبُهَاتِ المشركينَ الأوَّلِينَ، وشُبُهَاتِ الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ تَنَاقَلَها مَن بعدَهم، وتَوَارَثُوها وشبَّهوا بها. والعِصْمَةُ - مِثلَمَا تَقَدَّمَ - التَّمَسُّكُ بكتابِ اللَّهِ وسنَّةِ رسولِه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، والحَذَرُ مِن هذه التأويلاتِ والشُّبُهَاتِ التي أوْرَدَها هؤلاء، وشَبَّهوا بها على النَّاسِ حتى ضَلَّ بها كثيرٌ مِن النَّاسِ.
والواجبُ هو ما جاءَ به المُصْطَفَى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مِن وُجُوبِ إثباتِ صفاتِ اللَّهِ وأسمائِه، وإِمْرَارِها كما جاءَتْ في القرآنِ العظيمِ والسنَّةِ المُطَهَّرَةِ على الوجهِ اللائقِ باللَّهِ سبحانه وتعالى، مِن غيرِ تحريفٍ , ولا تعطيلٍ , ولا تَكْيِيفٍ , ولا تَمْثِيلٍ، بل على مُقْتَضَى قولِه سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
فجميعُ صفاتِه سبحانه لا يُشَابِهُه فيها خَلْقُه، بل هو مُنَزَّهٌ عن مُشابهةِ خَلْقِه، وهي حقٌّ , وتُثْبَتُ له سبحانه على وجهِ الكمالِ الذي لا يَعْتَرِيه نقصٌ بوجهٍ من الوجوهِ، خلافًا لما تَأَوَّلَتْه الجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ وأشباهُهما.
(6) وما ذلك إلا لأنَّ هؤلاءِ تَكَلَّمُوا بكلامٍ يُخَالِفُ نصَّ كتابِ اللَّهِ وسنَّةِ رسولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلهذا كَفَّرَهم الأئِمَّةُ، وضَلَّلُوهم وبَدَّعُوهم، وهمُ الجَهْمِيَّةُ نُفاةُ الصفاتِ، ونُفاةُ الأسماءِ، ولهذا كَتَبَ فيهم الأئمةُ كعثمانَ بنِ سعيدٍ الدَّارِمِيِّ، وأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، وغيرِهم ممَّن كَتَبَ في هذا البابِ للردِّ على هؤلاءِ المُجرمينَ، فالمقصودُ بهذا النصحُ للهِ ولعبادِه، وبيانُ ما أبْطَلُوا فيه، وما وَقَعُوا فيه مِن الفسادِ الذي أضَلُّوا به النَّاسَ.