الصفحة 8 من 44

الدرسُ الخامسُ

(1) كلُّ هؤلاءِ تَكَلَّمُوا في الردِّ على الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ، ومَن خَرَجَ عن الطريقِ مِن أصنافِ أهلِ البِدَعِ، وهم لمَّا فَعَلُوا هذا ليسَ لقصدِ الغِيبَةِ، ولا التَّشَفِّي، وإنَّما قَصَدُوا النُّصْحَ للهِ ولعبادِه، وبيانَ هذه الضلالاتِ حتى يَحْذَرَها النَّاسُ.

(2) مقصودُه رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّه يَكْفِي في ردِّ الشُّبَهِ التي شَبَّهُوا بها على أهلِ السنَّةِ: أنَّها مأخوذةٌ عن الصابئةِ والمشركينَ واليهودِ، فكيفَ يَرْضَى عاقلٌ أنْ يَقْبَلَ سلوكَ سبيلِهم، مَنْهَجِهِم، ويَدَعَ سبيلَ المؤمنينَ أتباعِ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأتباعِ الصَّحابةِ، كلُّ عاقلٍ يَكْفِيه هذا مِن غيرِ حاجةٍ إلى أنْ يَنْظُرَ في تفاصيلِ الحُجَجِ، فكونُها مِن سبيلِ الضَّالِّينَ والمغضوبِ عليهم كافٍ في ردِّها وإبطالِها وتَعْطِيلِها، معَ أنَّ رَدَّهَا وإبطالَها مِن أوضحِ الواضحاتِ عندَ أهلِ الحقِّ.

(3) أهلُ السنَّةِ والجماعةِ ليسوا معَ أهلِ التعطيلِ، ولا معَ أهلِ التمثيلِ، بل هم بينَ هؤلاء وهؤلاء، فلا معَ المُعَطِّلَةِ، ولا معَ المُمَثِّلَةِ، ولكنَّهم يُثْبِتُونَ صفاتِ اللَّهِ وأسماءَه كما جاءَتْ في كتابِ اللَّهِ وسنَّةِ رسولِه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ إثباتًا بلا تَمْثِيلٍ، وتَنْزِيهًا بلا تَعْطِيلٍ، فكما أنَّهم يُثْبِتُونَ ذاتَه على وجهٍ لا تُشْبِهُ الذواتِ، فهكذا يُثْبِتُونَ صفاتِه على وجهٍ لا تُشْبِهُ الصفاتِ، هكذا أهلُ السنَّةِ والجماعةِ مِن أصحابِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومَن أتَى بعدَهم، فقَبِلُوا النصوصَ وأَثْبَتُوا ما دَلَّتْ عليه، وأنَّه حقٌّ، ونَفَوْا عنه التشبيهَ والتمثيلَ؛ عَمَلًا بقولِه سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .

أمَّا أهلُ التعطيلِ، وأهلُ التمثيلِ فكلُّهمُ انْحَرَفُوا عن الطريقِ، وحَادُوا عن سَوَاءِ السبيلِ، فلَيْسُوا معَ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ في إثباتٍ، ولا في تَنْزِيهٍ، بل عَطَّلُوا آياتِ اللَّهِ، وعَطَّلُوا أسماءَه وصفاتِه، وشَبَّهُوا اللَّهَ بخلقِه، وحَادُوا عن سَوَاءِ السبيلِ، فصاروا بذلكَ مَلاحِدَةً ضَالِّينَ عن الحقِّ فضَلُّوا السبيلَ، وخَالَفُوا ما جاءَتْ به النصوصُ، ولهذا عَابَهُم أهلُ السنَّةِ ونَفَرُوا منهم، وصاحوا بهم مِن كلِّ مكانٍ، وحَذَّرُوا النَّاسَ مِن سبيلِهم الرَّدِيءِ.

(4) والمعنى: أنَّهم أُتُوا مِن فَهْمِهِمُ الرَّدِيءِ؛ فإنَّهم ما فَهِمُوا مِن النصوصِ إلا التشبيهَ لأسماءِ اللَّهِ وصفاتِه بالخَلْقِ، فلهذا عَطَّلُوا ونَفَوُا الصفاتِ، فلم يَفْهَمُوا مِن اسمِه السميعِ والبَصيرِ والعليمِ والحكيمِ والقديرِ، ومِن وَصْفِه بالوجهِ واليَدِ ونحوِ ذلك إلاَّ مُشَابَهَةَ المخلوقينَ، فأُتُوا مِن هذا السبيلِ، وأُتُوا مِن فَهْمِهِم الباطِلِ، ثُمَّ فَرُّوا مِن هذا التشبيهِ بزَعْمِهم، ووَقَعُوا في تشبيهٍ أقبحَ، وفي تمثيلٍ أقبحَ، حتَّى شَبَّهُوا اللَّهَ بالمَعْدُومَاتِ والجَمَادَاتِ والناقصاتِ، فصارَ تَشْبِيهُهم هذا الأخيرُ أشدَّ مِن التشبيهِ الذي فَرُّوا مِنه، ولهذا صَارُوا في غايةٍ مِن البُطْلاَنِ. وهكذا سنَّةُ اللَّهِ في أهلِ الباطلِ، ما فَرُّوا مِن شيءٍ إلا وَقَعُوا في أبطلَ مِنه وأشَرَّ مِنه. نَسْأَلُ اللَّهَ العافِيَةَ.

(5) وهذا هو الواجبُ، ولهذا دَرَجَ أهلُ السُّنَّةِ على ذلك، فأَثْبَتُوا للهِ العُلُوَّ والاستواءَ فوقَ العرشِ على الوجهِ اللائقِ به، مِن دونِ أنْ يُشَابِهَ خَلْقَه في اسْتِوَائِهم على سُطُوحِهِم أو على فُلْكِهِم، أو نحوِ ذلك، فهكذا وَصْفُه بأنَّه سميعٌ، وبأنَّه بصيرٌ، وبأنَّه عليمٌ، وبأنَّه قديرٌ، لا يَلْزَمُ مِنه مشابهةُ المخلوقينَ؛ فإنَّ عِلْمَ المخلوقينَ يَعْتَرِيه الجَهْلُ، والنِّسْيَانُ، وقُدْرَتَهم يَعْتَرِيها الضعفُ والعَجْزُ، وسَمْعَهُم يَعْتَرِيه الصَّمَمُ، وأبصارَهم يَعْتَرِيها العَمَى والضعْفُ، أما سمعُ اللَّهِ وبَصَرُه فهو كاملٌ، لا يَعْتَرِيه نَقْصٌ سبحانه وتعالى، وهكذا عِلْمُه؛ = فإنَّه مُلازمٌ لذاتِه، فهو عالمٌ بكُلِّ شيءٍ دائِمًا، ولا يَعْتَرِي هذا العلمَ نِسْيَانٌ؛ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} ولا يَعْتَرِيه جَهْلٌ سبحانه، فهو العالمُ بكلِّ شيءٍ.

وهكذا قُدْرَتُه كاملةٌ لا يَعْتَرِيها شيءٌ مِن النقصِ، بخلافِ المخلوقينَ؛ فإنَّهم مَحَلُّ نقصٍ أوَّلًا وآخِرًا.

(6) وهذا مِن السهلِ اليَسيرِ في هذه الشُّبْهَةِ وغيرِها، فمَن تَدَبَّرَ القرآنَ وأرادَ الحقَّ فإنَّ شُبَهَه كلَّها تَزُولُ، يَكْفِيه قولُه تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} تَقْضِي على شُبَهِهِ كلِّها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت