فهرس الكتاب
وقولُهُ: (يَوْمَ عَقَرْتُ) يَوْمَ: في موضِعِ جرٍّ، معطوفٌ على (يَوْمٍ) الذي يَلِي (سِيَّما) . ومَنْ رفَعَ فقالَ: (ولا سِيَّما يومٌ) ، فموضِعُ (يَوْمٍ) الثَّانِي رَفْعٌ. وإنَّما فُتِحَ؛ لأنَّهُ جَعَلَ (يَوْمًا) و (عَقَرْتُ) بمَنْزِلَةِ اسمٍ واحدٍ. وكذلكَ ظُرُوفُ الزمانِ إذا أُضِيفَتْ إلى الأفعالِ الماضِيَةِ، أو اسمٍ غيرِ مُتَمَكِّنٍ، بُنِيَتْ معَها؛ نَحْوُ: أَعْجَبَنِي يَوْمَ خَرَجَ زيدٌ. ونَحْوُ ما أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
عَلَى حِينَ أَلْهَى النَّاسَ جُلُّ أُمُورِهِمْ فَنَدْلًا زُرَيْقُ المالَ نَدلَ الثَّعَالِبِ
ويَجُوزُ أنْ يكونَ (يَوْمَ) منصوبًا مُعْرَبًا، كأنَّهُ: اذْكُرْ يومَ عَقَرْتُ. ففي إعرابِ (يَوْمٍ) ثلاثةُ أَوْجُهٍ: النصبُ بفعلٍ مُضْمَرٍ، والجرُّ عَطْفًا على اليومِ الذي قبلَهُ، والثالثُ أنْ يكونَ مَرْفُوعَ المَوْضِعِ مَبْنِيَّ اللفظِ؛ لإضافتِهِ إلى فِعْلٍ مَبْنِيٍّ. وعندَ الكُوفِيِّينَ يَجُوزُ أنْ تُبْنَى ظُرُوفُ الزمانِ معَ الفعلِ المستقبَلِ، ولا يَجُوزُ ذلكَ عندَ البَصْرِيِّينَ؛ لأنَّ المُسْتَقْبَلَ مُعْرَبٌ.
ومِنْ خَبَرِ هذا اليومِ أنَّ امْرَأَ القَيْسِ كانَ عاشِقًا لابْنَةِ عَمٍّ لهُ، يُقالُ لها: عُنَيْزَةُ. وكانَ يَحْتَالُ في طَلَبِ الغِرَّةِ مِنْ أَهْلِها، فلم يُمْكِنْهُ ذلكَ. حتَّى إذا كانَ يومُ الغَدِيرِ، وهوَ يومُ دَارَةِ جُلْجُلٍ، احْتَمَلَ الحَيُّ، فتَقَدَّمَ الرجالُ وخَلَّفُوا النساءَ والعَبيدَ والثَّقَلَ. فلَمَّا رَأَى ذلكَ امْرُؤُ القيسِ تَخَلَّفَ بعدَ قومِهِ غَلْوَةً، فَكَمَنْ في غَيَابَةٍ من الأرضِ حتَّى مَرَّتْ بهِ النساءُ، وإذا فَتَيَاتٌ فِيهِنَّ عُنَيْزَةُ.
فَعَدَلْنَ إلى الغَدِيرِ ونَزَلْنَ، وتَحَيَّزَ العَبِيدُ عَنْهُنَّ، ودَخَلْنَ الغَدِيرَ، فأَتَاهُنَّ امْرُؤُ القَيْسِ، وهُنَّ غَوَافِلُ، فأَخَذَ ثِيَابَهُنَّ، ثُمَّ جَمَعَها وقَعَد عَلَيْهَا وقالَ: واللَّهِ لا أُعْطِي جَارِيَةً مِنْكُنَّ ثَوْبَها ولوْ ظَلَّتْ في الغَدِيرِ إلى الليلِ، حتَّى تَخْرُجَ كما هيَ مُتَجَرِّدَةً فَتَكُونُ هِيَ التي تَأْخُذُ ثَوْبَهَا.
فأَبَيْنَ عليهِ حتَّى ارْتَفَعَ النهارُ وخَشِينَ أنْ يُقَصِّرْنَ دونَ المَنْزِلِ الذي يُرِدْنَهُ، فخَرَجَتْ إحداهُنَّ، فوَضَعَ لها ثَوْبَهَا ناحيَةً فمَشَتْ إليهِ فأَخَذَتْهُ ولَبِسَتْهُ، ثمَّ تَتَابَعْنَ على ذلكَ، حتَّى بَقِيَتْ عُنَيْزَةُ فَنَاشَدَتْهُ اللَّهَ أنْ يَضَعَ ثَوْبَهَا، فقالَ: لا واللَّهِ لا تَمَسِّينَهُ دونَ أنْ تَخْرُجِي عُرْيَانَةً كما خَرَجْنَ، فخَرَجَتْ فنَظَرَ إليها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، فوَضَعَ لها ثَوْبَهَا فأَخَذَتْهُ ولَبِسَتْهُ.
فأَقْبَلَت النِّسْوَةُ عليهِ، وقُلْنَ لهُ: غَدِّنَا؛ فَقَدْ حَبَسْتَنَا وجَوَّعْتَنَا. فَقَالَ: أَإِنْ نَحَرْتُ لَكُنَّ نَاقَتِي تَأْكُلْنَ مِنها؟ قُلْنْ: نَعَمْ. فاخْتَرَطَ سَيْفَهُ فعَرْقَبَهَا ثُمَّ كَشَطَها، وجَمَعَ الخَدَمُ حَطَبًا كثيرًا، وأَجَّجَ نارًا عظيمةً، وجَعَلَ يَقْطَعُ لَهُنَّ مِنْ كَبِدِهَا وسَنَامِها وأَطَايِبِها، فَيَرْمِيهِ على الجَمْرِ، وَهُنَّ يَأْكُلْنَ ويَشْرَبْنَ مِنْ فَضْلَةٍ كانَتْ مَعَهُ في زُكْرَةٍ لهُ، ويُغَنِّيهِنَّ ويَنْبِذُ إلى العَبيدِ مِن الكِبابِ حتَّى شَبِعْنَ وشَبِعُوا، وطَرِبْنَ وطَرِبُوا.
فلَمَّا ارْتَحَلُوا قالَتْ إحداهُنَّ: أنا أَحْمِلُ حَشِيَّتَهُ وأَنْسَاعَهُ. وقالَت الأُخرى: أنا أَحْمِلُ طِنْفَسَتَهُ. فتَقَسَّمْنَ مَتَاعَ رَاحِلَتِهِ بَيْنَهُنَّ، وبَقِيَتْ عُنَيْزَةُ لم يُحَمِّلْهَا شيئًا، وقالَ لَهَا: ليسَ لكِ بُدٌّ مِنْ أنْ تَحْمِلِينِي معَكِ؛ فإنِّي لا أُطِيقُ المشيَ ولم أَتَعَوَّدْهُ، فحَمَلَتْهُ على بَعِيرِها. فلمَّا كانَ قريبًا من الحيِّ نَزَلَ فأقامَ حتَّى إذا جَنَّهُ الليلُ أَتَى أَهْلَهُ ليلًا.