فهرس الكتاب
وقولُهُ: (فَيَا عَجَبًا مِنْ رَحْلِهَا المُتَحَمَّلِ) ؛ أي: العَجَبُ لَهُنَّ ومِنْهُنَّ، كيفَ أَطَقْنَ حَمْلَ الرَّحْلِ في هَوَادِجِهِنَّ وكيفَ رَحَّلْنَ إِبِلَهُنَّ على تَنَعُّمِهِنَّ ورَفاهةِ عَيْشِهِنَّ.
12 -فظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِينَ بِلَحْمِهَا وشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ
(يَرْتَمِينَ) يُنَاوِلُ بَعْضُهُنَّ بعضًا. و (الهُدَّابُ) والهُدْبُ واحدٌ، وهوَ طَرَفُ الثوبِ الذي لم يَسْتَتِمَّ نَسْجُهُ. و (الدِّمَقْسُ) : الحريرُ الأبيضُ، ويُقالُ: هوَ القَزُّ، وهوَ المِدَقْسُ أيضًا.
وقيلَ: الدِّمَقْسُ والمِدَقْسُ: كُلُّ ثوبٍ أَبْيَضُ مِنْ كَتَّانٍ أوْ إِبْرَيْسَمٍ أوْ قَزٍّ. وشَبَّهَ شَحْمَ هذهِ الناقةِ وهؤلاءِ الجَوَارِي يَتَرَامَيْنَهُ؛ أيْ: يَتَهَادَيْنَهُ، بهُدَّابِ الدِّمَقْسِ، وهوَ غَزْلُ الإِبرَيْسَمِ المفتولِ. و (المُفَتَّلُ) بمعنى المفتولِ، إلاَّ أنَّكَ إذا قُلْتَ: مَفْتُولٌ يَقَعُ للقليلِ والكثيرِ، وإذا قُلْتَ: مُفَتَّلٌ، لم يَكُنْ إلاَّ للكثيرِ.
ويُقَالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كذا، إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يفعَلُ كذا، إذا فَعَلَهُ ليلًا. وأصلُ (ظَلَّ) : ظَلَلَ، فكَرِهَت العربُ الجمعَ بينَ حرفيْنِ مُتَحَرِّكَيْنِ مِنْ جِنْسٍ واحدٍ، فأَسْقَطُوا حركةَ الحرفِ الأوَّلِ، وأَدْغَمُوهُ في الثاني. و (الْعَذَارَى) اسمُ (ظَلَّ) ، و (يَرْتَمِينَ) خَبَرُها، والكافُ في قَوْلِهِ: (كَهُدَّابِ) في مَوْضِعِ جرٍّ؛ لأنَّها نَعْتٌ للشَّحْمِ؛ أيْ: مِثْلِ هُدَّابِ.
13 -ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ ... فَقَالَتْ: لَكَ الْوَيْلاتُ، إِنَّكَ مُرْجِلِي
قولُهُ: (ويومَ) معطوفٌ على قولِهِ: (يَوْمَ عَقَرْتُ) ، يَجُوزُ فيهِ ما جازَ فيهِ. و (الخِدْرُ) : الهَوْدَجُ، ويُرْوَى: ويومَ دَخَلْتُ الخِدْرَ يَوْمَ عُنَيْزَةٍ)، فعُنَيْزَةُ على هذهِ الروايَةِ هَضْبَةٌ سَوْدَاءُ بالشِّحْرِ ببَطْنِ فَلْجٍ، وعلى الروايَةِ الأُولَى اسمُ امرأةٍ.
وقولُهُ: (لَكَ الوَيْلاتُ) دُعاءٌ عليهِ. و (مُرْجِلِي) فيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أنْ يَكُونَ المرادُ: إنِّي أَخَافُ أنْ تَعْقِرَ بَعِيرِي كما عَقَرْتَ بَعِيرَكَ.
والثاني، وهوَ الصحيحُ: أنْ يكونَ المرادُ لَمَّا حَمَلَتْهُ على بعيرِها، ومالَ معَها في شِقِّها كَرِهَتْ أنْ يَعْقِرَ البَعِيرَ. ويُقَالُ: رَجِلَ الرَّجُلُ يَرْجَلُ، إذا صَارَ رَاجِلًا، وأَرْجَلَهُ غيرُهُ إذا صَيَّرَهُ كذلكَ.
وقالَ ابنُ الأنبارِيِّ: في قَوْلِهِ: (لكَ الوَيْلاتُ) قولانِ:
أحدُهما: أنْ يكونَ دعاءً منها عليهِ؛ إذْ كانَتْ تَخَافُ أنْ يَعْقِرَ بَعِيرَها.
والقولُ الآخَرُ: أنْ يكونَ دُعَاءً مِنها لهُ على الحقيقةِ، كما تقولُ العربُ للرَّجُلِ إذا رَمَى فأَجَادَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ ما أَرْمَاهُ! قالَ الشاعِرُ:
لكَ الوَيْلاتُ، أَقْدِمْنَا عَلَيْهِم وخَيْرُ الطَّالِبِي التِّرَةِ الغَشُومُ