الصفحة 14 من 214

وقالَت الكِنْدِيَّةُ تَرْثِي إِخْوَتَهَا:

هَوَتْ أُمُّهُمْ ماذَا بِهِم يومَ صُرِّعُوا بِجَيْشَانَ مِنْ أَبْيَاتِ مَجْدٍ تَصَرَّمَا؟

فقولُها: (هَوَتْ أُمُّهُمْ) دعاءٌ عليهم في الظاهِرِ، وهوَ دُعَاءٌ لهم في الحقيقةِ، وحقيقةُ مثلِ هذا أنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى المَدْحِ والثناءِ عليهم، لا الدُّعاءِ لهم.

14 -تَقُولُ وقدْ مَالَ الغَبِيطُ بِنَا مَعًا عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأَ الْقَيْسِ فانْزِلِ

(الغَبِيطُ) : الهَوْدَجُ بعينِهِ، وقيلَ: قَتَبُ الهَوْدَجِ، وقيلَ: مَرْكَبٌ مِنْ مراكِبِ النساءِ. ونَصَبَ (مَعًا) ؛ لأنَّهُ في موضعِ الحالِ من النونِ والألفِ، والعاملُ فيهِ (مَالَ) . فأمَّا قولُكَ: جِئْتُ معَهُ، فنَصْبُها عندَ سِيبَوَيْهِ على أنَّها ظرفٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: سَأَلْتُ الخَليلَ عنْ قولِهم: جِئْتُ مَعَهُ، لم نُصِبَتْ؟ فقالَ: لأنَّهُ كَثُرَ استعمالُهم لها مُضافةً، فقالُوا: جِئْتُ مَعَهُ، وجِئْتُ مِنْ مَعِهِ، فصارَتْ بمنزلةِ (أَمَامَ) ، يعني أنَّها ظرفٌ. فأمَّا قولُ الشاعرِ:

فَرِيشِي مِنْكُمُ وَهَوَايَ مَعْكُمْ وإنْ كَانَتْ زِيَارَتُكُمْ لِمَامَا

فعندَ أبي العبَّاسِ أنَّهُ قَدَّرَ (مَعْ) حرفًا بمنزلةِ (فِي) ؛ لأنَّ الأسماءَ لا يُسَكَّنْ حَرْفُ الإعرابِ منها.

وقولُهُ: (عَقَرْتَ بَعِيرِي) قالَ أبو عُبَيْدَةَ: وإنَّما قالَتْ: عَقَرْتَ بَعِيرِي، ولم تَقُلْ: نَاقَتِي؛ لأنَّهم يَحْمِلُونَ النساءَ على الذُّكُورِ؛ لأنَّها أَقْوَى وأَضْبَطُ. والبَعِيرُ يَقَعُ على المذكَّرِ والمؤنَّثِ، وإذا كانَ كذلكَ فلا فَرْقَ بينَ أنْ تقولَ: (بَعِيرِي) ، وأنْ تقولَ: (نَاقَتِي) ؛ لأنَّ البعيرَ يَقَعُ عليهما.

والجُمْلَةُ التي في قَوْلِهِ: (وقدْ مالَ الغَبِيطُ بنا مَعًا) في موضِعِ الحالِ.

وقولُهُ: (عَقَرْتَ بَعِيرِي) مفعولُ (تَقُولُ) . وإنَّما مالَ الغَبِيطُ لأنَّهُ انْثَنَى عليها يُقَبِّلُها، فصَارَا معًا في شِقٍّ وَاحِدٍ.

15 -فَقُلْتُ لَهَا: سِيرِي وَأَرْخِي زِمَامَهُ ولا تُبْعِدِينِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلِّلِ

(جَنَاهَا) : ما اجْتَنَى منها مِن القُبَلِ. و (المُعَلِّلِ) : الذي يُعَلِّلُهُ وَيَتَشَفَّى بِهِ. وَابْنُ كَيْسَانَ يَرْوِي: (المُعَلَّلِ) بفتحِ اللامِ؛ أي: الذي قدْ عُلِّلَ بالطِّيبِ؛ أيْ: طُيِّبَ مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ.

ومعنى البيتِ أنَّهُ تَهَاوَنَ بأمرِ الجملِ في حاجتِهِ، فأَمَرَها أنْ تُخَلِّي زِمَامَهُ، ولا تُبَالِي ما أَصَابَهُ مِنْ ذلكَ.

16 -فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْوِلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت