فهرس الكتاب
السؤال الأوّل: هذه الألفاظ التي تصدر عن الصوفية وتُوهِمُ الكُفر، هل لها محلّ وتأويلات بحيث ترجع للحقِّ وتُوافقُ الشرع؟ كقول أبي يزيد البسطامي قدّس سِره؛ ويُروى عن الشبلي أيضًا: ما في الْجُبّة إلا الله. وقول أبي يزيد أيضًا: خضتُ بحرًا وقف الأنبياء بساحله، وقوله: طاعتك لي يا رب أعظم من طاعتي لك .... الجواب: الحمد لله ... لا ريب، في صدور تلك الألفاظ عنهم، ووقوعها منهم، ولكن لها محامل وتأويلات وتدقيق، عند أرباب التحقيق، وفي ذلك جوابان. أحدهما: لا يبعد أن تكون تلك الألفاظ صدرت منهم في حال الشطح والسكر الروحاني؛ الذي هو سِكر المحبة، وهذا السِّكر بمنزلة شرب الخمر؛ بل أعظم، وسبب هذا السكر: اللذة القاهرة للعقل، وسبب اللذة: إدراك المحبوب وتصوّره، فإن كانت المحبة قوية، وإدراك المحبوب قويًا؛ كانت اللذة تابعةً لقوّة هذين الأمرين ... فيحدث الموت، وهذا أمر معلوم مُشاهَدٌ؛ فقد وقع ذلك للكثير من المُحبين، وقد أفردتُ هذا بمُؤلَّفٍ لطيفٍ سمّيته: مُنية المحبين وبُغية العاشقين؛ فراجعْهُ. وحيث كان كذلك، فألفاظ السكران بسببٍ غير مُحرَّم مما يجبُ أن تُطوى ولا تُروى؛ لعدم ترتُّب الأحكام الشرعية عليها حينئذٍ ... وجوابه: إن المراد مافي جسدي إلا حب الله، أو ما في الجبّة إلا سرّ الله الذي هو الروح المحرّك للأجساد، وكم في الكتاب والسنة من كلام يجبُ فيه التقدير، كقوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [1] . أو أنه قال ذلك في حال الفناء والاستغراق في التوحيد ...
(1) قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ سورة البقرة، الآية: 93.