وبعد: فإن العلم يتفاوت ويتفاضل، والعلماء تتبارى وتتناضل، وإن كان لكلٍّ مرتبةٌ وقدْرٌ، فلِحَمَلة القرآن سنامٌ وغارب وصدر، يعرِفُ لهم ذلك أهل الإيمان، ولا ينكره مُقِرٌّ بالرحمن؛ لأنهم لكلام الله تعالى منتدبون، وبنجوم الوحي مقتدون، ولأمانته مؤدون، وبما عند الله مكتفون، ولأثر رسوله ـ صلواته وسلامه عليه ـ مقتفون، يفضل فضلًا فيجَّرَّعون، ويرفع رحلًا فيضعون، ويشير فينثالون، وينطق فلا يألون، فكأنهم إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مجتمعون، ولِما يتلوه منه مستمعون، فلأبصارهم خشوعٌ وغضّ، ولهم على النواجذ عَضّ، ودمعهم بما عرفوا من الحق مرفضّ، وإن اختلفوا في الأفهام، وتباينوا في الخواطر والأوهام، وكُلًّا وعَدَ الله الحسنى، وبوأه الله المحلَّ الأسنى، وما ظنّك بشيء للماهر به حصن حصين، ولمن يشتدّ عليه تمام أجرين، لكن ليس مَن أينعت له (أيكة: ثمرة) العِلم فهو يهدب، كمن اقتصر على رواية إليها ينتدب، ذلك تمتّع بالجنى، وتصرّف بين اللفظ والمعنى، ودنا فتدلى، وكشف له عن أسراره فاجتلى، وهذا خازن أمين أدّى، وطرفٌ باطنُهُ عُرفٌ نضح بما فيه وأندى، فحسبك منه ما بدا، وأن تجد على النار هدىً، أما إن دعوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد سبقت (بنضرته:?بنظرته) ، وحدتك إلى حضرته. وإني تأملت كتابي الشيخين الإمامين: أبي محمد؛ مكي?بن أبي طالب القيسي? [1] ،
(1) أبو محمد، مكي?بن أبي طالب حموش?بن محمد?بن مختار، القيسي القيرواني، ثم القرطبي، صاحب التصانيف. (ولفظ يقال في بلاد المغرب لمن اسمه محمد تحببًا، وقد تحرف في إلى وفي إلى .) ولد بالقيروان سنة خمس وخمسين وثلاث مئة، وكان من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية، حسن الفهم، كثير التآليف في علوم القرآن، توفي في المحرم سنة سبع وثلاثين وأربع مئة 437 هـ/ 1045 م. وأخذ عن: ابن أبي زيد، وأبي الحسن القابسي .. وتلا بمصر على أبي عدي ابن الإمام، وأبي الطيب?بن غلبون، وولده طاهر. وسمع من محمد?بن علي الأدفوي، وأحمد?بن فراس المكي، وعدة. وكان من أوعية العلم مع الدين والسكينة والفهم، ارتحل مرتين، الأولى في سنة ست وسبعين. وقال صاحبه أبو عمر أحمد?بن مهدي المقرئ: أخبرني مكي أنه سافر إلى مصر وله ثلاث عشرة سنة، واشتغل، ثم رحل سنة ست وسبعين، وأنه جاور ثلاثة أعوام، ودخل الأندلس في سنة ثلاث وتسعين، وأقرأ بجامع قرطبة، وعظم اسمه، وبعد صيته. وقال ابن بشكوال: قلده أبو الحزم جهور خطابة قرطبة بعد يونس?بن عبد الله، وقد ناب عن يونس. قال: وله ثمانون مصنفًا، وكان خيرًا متدينًا.
انظر: جذوة المقتبس: 351، ترتيب المدارك: 4/ 737، نزهة الألباء: 347، الصلة: 2/ 631 ـ 633، بغية الملتمس: 469، معجم الأدباء: 19/ 167 ـ 171، إنباه الرواة: 3/ 313 ـ 319، وفيات الأعيان: 5/ 274 ـ 277، معالم الايمان: 3/ 213، العبر: 3/ 187، دول الإِسْلام: 1/ 258، معرفة القراء الكبار: 1/ 316 ـ 317، تلخيص ابن مكتوم: 251 ـ 254، مرآة الجنان: 3/ 57 ـ 58، الديباج المذهب: 2/ 342 ـ 343، غاية النهاية: 2/ 309 ـ 310، بغية الوعاة: 2/ 298، مفتاح السعادة: 1/ 419، كشف الظنون: 1/ 33، 121، 174، شذرات الذهب_ 3/ 260 ـ 261، إيضاح المكنون: 1/ 85، هدية العارفين 2/ 470 ـ 471. 2/ 309 ـ 310.