الصفحة 3162 من 5754

هذا كتاب جمعتُه من نتائج الأفكار، وطُرف الأخبار والآثار، نظمْتُ فيه فريدَ النثر ودرَرَه، وضمَّنتُهُ مُختارَ الشعر ومحبَّرَه، وأودعتُه غُرر البلاغة وعيونَها، وأبكارَ القرائح وعيونها، وبدائع الحكم وفنونها، وغرائبَ الأحاديث وشجونَها، حين بُدِّلَ الصفوُ بالكدر، وغيَّرْت بني الأيام الغير، وفسد الزمانُ، وخان الإخوانُ، وأوحشَ الأنيسُ، وخيف الجليسُ، وصار مكروهُ العزلة مندوبًا، ومأثورُ الخلطة محظورًا، وأضاءت آثار الوحدة في القلوب فأنارتها، وحكمت العقولُ بفضيلة التخلّي فاختارتها، فوجدت الكتابَ خيرَ صاحبٍ وقرين، وأفضلَ رفيق وخَدِين، لا يخون ولا يَمِين، ولا يماكر ولا يناكر، ولا يعصي ولا ينافر، المفضي إليه بسرّه مُستظهرٌ آمِنٌ، والمُصاحب له وادِعٌ ساكن، مأمونُ الهفوة والزلة، محمودُ الخلوة والخُلَّة، فهو لمن وُفِّقَ للاعتزال أسلم خليل، وأكرم أخٍ برٍّ وصول، ولمن سُلِبَ الإيثار، وحكمتْ عليه غلبةُ الاضطرار، تذكرة للناسي، وتبصرة للساهي، وكلّ منهما يجد في هذا الكتاب لِمُرادِهِ مُستمتَعا، ويسلك منه إلى مراده نهجًا متسِعًا ...

آخره: ... قال الأصمعي: مرّ الفرزدقُ يوما في الأزد فوثب عليه ابن أبي علقمة لينكحه، وأعانه على ذلك سفهاءٌ من سفهائِهم، فجاءت مشايخُ الأزد وأولو النهى منهم فصاحوا بابن أبي علقمة وبأولئك السفهاء، فقال لهم ابن أبي علقمة: ويحكم أطيعوني اليوم واعصوني الدهر، هذا شاعرُ مُضَر ولسانُها، وقد شتم أعراضَكم وهجا ساداتِكم، والله لا تنالون من مُضر مثلها أبدًا. فحالوا بينه وبينه. فكان الفرزدقُ بعد ذلك يقول: قاتله الله، والله لقد كان أشار عليهم بالرأي [1] .

تمّ والحمد لله وحده.

وكان الفراغ من هذه النسخة العظيمة نهار الأربعاء، ثالث يوم من شهر شوال المبارك في سنة 1055 هـ/ 1645 م.

(1) تم الباب الرابع عشر بعون الله، ويتلوه الباب الخامس عشر، وهو في الوصايا والعهود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت