الصفحة 3655 من 5754

وبعد فيقول الفقير إلى الله الغني، مسعود بن عمر المدعو بسعد التفتازاني، هداه الله سواء الطريق، وأذاقه حلاوة التحقيق: إني قد شرحت فيما مضى تلخيص المفتاح، وأغنيته بالإصباح عن المصباح، وأودعته غرائب نُكَتٍ سَمَحَتْ بِها الأنظار، ووشّحته بلطائف فِقَرٍ سَبكتها يَدُ الأفكار، ثم رأيتُ الجمع الكثير من الفضلاء، والْجَمَّ الغفير من الأذكياء، يسألونني صَرْفَ الهمّة نحو اختصاره، والاقتصار على بيان معانيه وكشف أستاره، لِمَا شاهدوا مِن أنّ الْمُحصِّلين قد تقاصَرَتْ هِمَمُهُم عن استطلاع طوالع أنواره، وتقاعدَتْ عزائمُهم عن استكشاف خبيِّات أسراره، وأن المنتحلين قد قلبوا أحداق الأخذ والانتهاب، ومدوا أعناقَ الْمَسْخِ على ذلك الكتاب. وكنتُ أضربُ عن هذا الْخَطْبِ صَفْحًا، وأطوي دون مرامهم كَشْحًا، عِلمًا مِنّي بأنَّ مُسْتَحْسَنَ الطِّباع بأسرها، ومقبولَ الأسماعِ عن آخرها، أمرٌ لا يسعه مقدرةُ البشر، وإنّما هو شأنُ خالقِ القوى والقدَر، وأنّ هذا الفنّ قد نَضبَ اليومَ ماؤُهُ فصار جدالًا بِلا أثَرٍ، وذهب رواؤهُ فعادَ خِلافًا بلا ثَمَرٍ، حتى طارت بقية آثار السلف أدراجَ الرياح، وسالت بأعناق مطايا تلك الأحاديث البِطَاح، وأما الأخذ والانتِهاب فأمرٌ يرتاحُ له اللّبيبُ، وللأرض من كأس الكرام نصيب، وكيف يُنهرُ عن الأنهار السائلون؟، و. ثُمَّ ما زادَتْهُم مُدافعتي إلّا شَغَفًا وغرامًا، وظَمَأً في هَواجِرِ الطَّلَب وَأُوَامًا، فانتصبتُ لشرح الكتاب على وِفْق مُقترَحِهم ثانيًا، وَلِعِنان العِناية نَحْوَ اختصار الأوَّل ثانيًا، مع جُمُودِ القريحة بِصَرِّ الْبَلِيَاتِ، وخُمود الفِطنة بِصَرِّ ضُرِّ النَّكبات، وترامي البُلدان بي والأقطار، وَنُبُوِّ الأوطان عني والأوطار.

(1) سورة الصافات، الآية: 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت