فهرس الكتاب
ص -153- لأنه خرج بالجحود من الأمانات ولو قال: وكلتك ببيع متاعي فبعته فقال: ما لك عندي شيء فأقام البينة عليه بذلك فقال: صدقوا وقد دفعت إليه ثمنه فهو مصدق لأن من دفع شيئا إلى أهله فليس هو عنده ولم يكذب نفسه فهو على أصل أمانته وتصديقه ولو أمر الموكل الوكيل أن يدفع مالا إلى رجل فادعى أنه دفعه إليه لم يقبل منه إلا ببينة واحتج الشافعي في ذلك بقول الله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} 1 وبأن الذي زعم أنه دفعه إليه ليس هو الذي ائتمنه على المال كما أن اليتامى ليسوا الذين ائتمنوه على المال وقال الله جل ثناؤه: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} الآية وبهذا فرق بين قوله: لمن ائتمنه قد دفعته إليك يقبل لأنه ائتمنه وبين قوله: لمن لم يأتمنه عليه قد دفعته إليك فلا يقبل لأنه الذي ليس ائتمنه قال المزني رحمه الله: ولو جعل للوكيل فيما وكله جعلا فقال للموكل: جعلي قبلك وقد دفعت إليك مالك فقال: بل خنتني فالجعل مضمون لا تبرئه منه دعواه الخيانة عليه ولو دفع إليه مالا يشتري له به طعاما فسلفه ثم اشترى له بمثله طعاما فهو ضامن للمال والطعام له لأنه خرج من وكالته بالتعدي واشترى بغير ما أمره به ولا يجوز للوكيل ولا الوصي أن يشتري من نفسه ومن باع بما لا يتغابن الناس بمثله فبيعه مردود لأن ذلك تلف على صاحبه فهذا قول الشافعي ومعناه ولو قال: أمرتك أن تشتري لي هذه الجارية بعشرة فاشتريتها بعشرين فقال الوكيل: بل أمرتني بعشرين فالقول قول الآمر مع يمينه وتكون الجارية في الحكم للوكيل قال المزني و الشافعي: يحب في مثل هذا أن يرفق الحاكم بالآمر للمأمور فيقول: إن كنت أمرته أن يشتريها بعشرين فقل بعته إياها بعشرين ويقول الأخر قد قبلت ليحل له الفرج ولمن يبتاعه منه قال المزني: ولو أمره أن يشتري له جارية فاشترى غيرها أو أمره أن يزوجه جارية فزوجه غيرها بطل النكاح وكان الشراء للمشتري لا للآمر ولو كان لرجل على رجل حق فقال له رجل: وكلني فلان بقبضه منك فصدقه ودفعه وتلف وأنكر رب الحق أن يكون وكله فله الخيار فإذا أغرم الدافع لم يرجع الدافع على القابض لأنه يعلم أنه وكيل بريء وإن أغرم القابض لم يكن له أن يرجع على الدافع لأنه يعلم أنه مظلوم بريء وإن وكله ببيع سلعة فباعها نسيئة كان له نقض البيع بعد أن يحلف ما وكله إلا بالنقد ولو وكله بشراء سلعة فأصاب بها عيبا كان له الرد بالعيب وليس عليه أن يحلف ما رضي به الآمر وكذلك المقارض وهو قول الشافعي ومعناه وبالله التوفيق قال المزني: ولو قال رجل: لفلان علي دين وقد وكل هذا بقبضه لم يقض الشافعي عليه بدفعه لأنه مقر بتوكيل غيره في مال لا يملكه ويقول له: إن شئت فادفع أودع ولا أجبرك على أن تدفع قال: وللوكيل وللمقارض أن يردا ما اشتريا بالعيب وليس للبائع أن يحلفهما ما رضي رب المال وقال: ألا ترى أنهما لو تعديا لم ينتقض البيع ولزمهما الثمن وكانت التباعة عليهما لرب المال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة النساء: 6.