الصفحة 128 من 315

وقد يقال: كيف جاز ليوسف أن يتولى عملا من يد كافر وهو ملك مصر، وكيف يكون تبعا له بقبوله أو بطلبه هذه الولاية؟ والجواب ... عن قتادة قال: ما فعله يوسف من طلبه الولاية من الملك الكافر دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملا من يد سلطان جائر. وقد كان السّلفُ يتولون القضاء من جهة البغاة. وعلى هذا إذا علم العالِمُ أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين من الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به ويستعين به.

(للداعي أن يبين كفاءته ويطلب ولاية في نظام كافر:

وبناء على ما تقدم يجوز للداعي أن يبين كفاءته وقدرته على عمل معين، ويبديَ رغبته واستعداده لعمل معين في الجماعة المسلمة، ولا يَقْدَحُ ذلك في إخلاصه واستمساكه بمعاني الشرع. كما يجوز للداعي أن يتولى وظيفة معينة في ظل نظام كافر أو سلطان جائر إذا رأى مصلحةً شرعية في تولي هذه الوظيفة كإحقاق حق أو إقامةِ عدل، أو دفع ضرر عن المسلمين.

أَحَد عشر: حرمة اليأس من رَوْحِ الله:

إن مصائب الدنيا وشدائدها كثيرة، والداعي يلاقي غالبا مصاعب ومصائب وأذى وشدائد، فعليه أن لا ييأس من رحمة الله وفرجه وكشف الضر عنه وتسهيل الشدائد عليه ... ولهذا أمر يعقوب - عليه السلام - بنيه أن لا ييأسوا من رحمة الله وفرجه ... فقال تعالى حكاية عما قاله يعقوب لبنيه: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف:87) ...

اثنا عشر: ضرورة الصبر للدعاة:

إن قصة يوسف ترينا حسن عاقبة الصبر الجميل، فقد صبر يوسف على ما أصابه من كيد ... وامتحن الله يعقوب ... وهو في ذلك كله صابر محتسب ويردد بلسانه وقلبه

{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} ولا يشكو حزنه وما يحس به إلا إلى الله {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} (يوسف: من الآية 86) ثم جاء الفرج بعد الشدة، حيث جمع الله يعقوب بابنه يوسف وبأخيه وببقية أبنائه، ورد عليه بصره وكل ذلك عاقبة الصبر الجميل، كما قال يوسف لإخوته بعد أن عرفوه {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف: من الآية 90) ... فلا يجوز أن يستعجل الدعاة بلوغ الغاية والظفر بالمطلوب، فإن الأمر بيد الله، وكل ما عليهم هو أن يثقوا تماما بأن العاقبة للصابرين، ولا يشترط في هذه العاقبة أن تكون عاجلة كما رأينا في عاقبة يوسف وأبيه عليهم السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت