الصفحة 127 من 315

مُنْقلِبُونَ {125} وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (الأعراف:126) .

تاسعًا: الأخذ بالأسباب والتوكل على الله في بلوغ الغايات:

أمر يعقوب - عليه السلام - بنيه بأن لا يدخلوا مصر من باب واحدٍ بل من أبواب متفرقة، لئلا يصيبَهم مكروهٌ إما بإصابتهم بـ (العين) ... وإما أن يُظَّنَّ بهم أنهم جواسيس وجاءوا يريدون شرا بمصر، فيخافهم ملِكُ مصر على ملكه فيحبسهم. وعلى أي التفسيرين حملنا وصية يعقوب لبنيه ... فهو يدل على أخذ يعقوب - عليه السلام - بالأسباب إلَّا أنه قال لهم بعد أن أمرهم بذلك: {وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} (يوسف: من الآية 67) ... فالاعتماد ينبغي أن يكون على الله ـ وهو أمر قلبي ـ وليس على مباشرة الأسباب، ولهذا قال لهم يعقوب: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} (يوسف: من الآية 67) وعلى هذا يجب على الدعاة أن يبذلوا كل جهدهم في مباشرة الأسباب المشروعة في تحقيق أغراضهم في دعوتهم، ولكن اعتمادهم في نجاحهم في دعوتهم وبلوغ غاياتهم فيها، يكون هذا الاعتماد على الله تعالى وحده وليس على الأسباب.

عاشرًا: مدح النفس وطلب الولاية:

الأصل أن لا يمدح المسلم نفسه، قال تعالى {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (النجم: من الآية 32) ولا يطلب الولاية لنفسه ... عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ فَقَالَ {إِنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ} [1] وإذا كان الأصل ما ذكرناه فإن الاستثناء جوازه أي جواز الأمرين: مَدْحُ الإنسان المسلم نفسه وطلب الولاية لنفسه، على أن يكون لهذا الاستثناء مبرر شرعي مثل تحقيق مصلحة للمسلمين أو دفع ضَرَر عنهم، أو إقامة العدل بين الناس ونحو ذلك ... وفي تعليل طلب يوسف الولاية على خزائن الأرض ومَدْحِ نفسه ببيان قدرته على هذه الولاية قال الزمخشري:

''وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى، وإقامة الحق وبسط العدل، ولعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء وجه الله لا لحب المُلك والدنيا ... ''

سؤال وجواب:

(1) (أ) رواه البخاري كتاب الأحكام / باب ما يكره من الحرص على الإمارة / ص 595 /ح رقم 7149، ومسلم كتاب الإمارة / ص 1005 / ح رقم 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت