ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموالهم، يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون. فقال: «ألا أعملكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا أحد يكون أفضل منكم إلا من صنع ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة ... » الحديث متفق عليه [1] .
فجعل الذكر عوضا لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد، وأخبر أنهم يسبقونهم بهذا الذكر، فلما سمع أهل الدثور بذلك عملوا به، فازدادوا - إلى صدقاتهم وعبادتهم بمالهم - التعبد بهذا الذكر، فحازوا الفضيلتين، فنافسهم الفقراء، وأخبروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنهم قد شاركوهم في ذلك، فانفردوا عنهم بما لا قدرة لهم عليهم، فقال: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} .
الفائدة (58) : أن ذكر الله عز وجل من أكبر العون على طاعته، فإنه يحببها إلى العبد، ويسهلها عليه، ويلذذها له، ويجعلها قرة عينه فيها، ونعيمه وسروره بها، بحيث لا يجد لها من الكلفة والمشقة والثقل ما يجد الغافل، والتجربة شاهدة بذلك.
(1) رواه البخاري (843) ومسلم (595) .