فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 16

كل منبت شعرة في وجهه فما ضاحكا تموج فيه ابتسامة لامعة؛ بل رأيت مكانه رجلا شقيا منكوبا قد لبي الهرم قبل أوانه وأوفى على الستين قبل أن يسلخ الثلاثين، فاسترخى حاجباه وثقلت أجفانه، وجمدت نظراته، وتهدل عارضاه، وتجعد جبينه، استشرف عاتقاه وهوى رأسه بينهما هوية بين عاتقي الأحدب، فكان أول ما قلت له: لقد تغير فيك كل شيء يا صديقي حتى صورتك! وكأنما ألم بما في نفسي، وعرف أني قد علمت من أمره كل شيء فأطرق برأسه إطراق من يرى أن باطن الأرض خير له من ظهرها، ولم يقل شيئا، فدنوت منه حتى وضعت يدي على عاتقه وقلت له:

والله ما أدري ماذا أقول لك؟ أأعظك، وقد كنت واعظي بالأمس، ونجم هداي الذي أستنير به في ظلمات حياتي؟ أم أرشدك إلى ما أوجب عليك في نفسك، وفي أهلك؟ ولا أعرف شيئا أنت تجهله، ولا تصل يدي إلى عبرة تقصر يدك عن نيلها، أم أسترحمك لأطفالك الضعفاء وزوجتك البائسة المسكينة التي لا عضد لها في الحياة، ولا معين سواك؟ وأنت صاحب القلب الرحيم الذي طالما خفق بالبعداء، فأحرى أن يخفق رحمه بالأقرباء!.

إن هذه الحياة التي تحياها يا سيدي إنما يلجأ إليها الهمل العاطلون الذي لا يصلحون لعمل من الأعمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت