قال الشيعي الاثناعشري: دل الحديث على أنّ عليًا عليه السلام كان يرى أبا بكر وعمر كاذبين خائنين غادرين.
الجواب:
القول بأن عليًا كان يرى أبا بكر وعمر كاذبين آثمين خائنين غادرين، قول باطل بين البطلان، فاسد ظاهر الفساد، وذلك من وجوه:
أولها: أن يقال: هذا الكلام إن كان محمولا على ظاهره فهو متقدم، وحكمه بأفضليتهما متأخر، وإذا تعذر الجمع بين قولي المجتهد اعتُمد المتأخر منهما، لأنه لا يجوز أن ننسب إلى أي كان قولا ثبت بالأسانيد الصحيحة تراجعه عنه، وقد يكون التراجع لأسباب كثيرة: منها اطلاعه على ما لم يكن يعلم من الأدلة، أو تبينه لخطإ ظنه، وفساد مناط حكمه، أو ظهور وجه في الاستنباط أقوى مما اعتمد عليه.
فظهر أن الاستدلال بهذا الأثر من أبطل الباطل، والحمد لله رب العالمين.
ثانيها: أن يقال: نحن لا نسلم بأن هذا الكلام محمول على ظاهره، بل هو وارد مورد الأخذ بأسوء ما يحتمل لزومه من الفعل، مبالغة في العتاب والزجر، كمن لم يسمع نصيحة صاحبه بعدم الدخول في أمر، ثم ندم بعد أن استبان له خسارة ذلك الأمر، وغبن تلك الصفقة، فقال له صاحبه: ألم أنصحك، فنبذت قولي ورأيتني كاذبا لا أريد لك الخير أحمق لا أفهم في أمور البيع؟ وإنما أخذه بأسوء ما يُحتمل لزمه من عمله مبالغة في التقريع والتوبيخ والزجر، وإلا فلا يلزم من مخالفة الصاحب لصاحبه أن يظن فيه ذلك.
وهذا هو الذي حمل عليه كثير من العلماء ألفاظ هذا الحديث، لقوة هذا المحمل وعدم تكلفه.
ثالثها: أن يقال: إنه محمول على سبيل المشاكلة، وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته لنكتة، كما في قوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم) ، وقوله أيضا: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يمل حتى تملوا) ، وقوله: الشاعر الجاهلي في معلقته الشهيرة (ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا) .