الصفحة 4 من 7

ومما يدل على هذا ويقويه، أن عمر بن الخطاب سمى غضب علي والعباس عليه وعلى أبي بكر بنفس ما سب به العباس عليا من كونه كاذبا آثما خائنا غادرا، حرفا بحرف، لم ينقص، ولم يزد، والنكتة في ذلك تنبيههم إلى أن غضبهم هذا إنما هو ناشئ عن سوء فهم، أو اختلاف في الرأي، أو تسرع في الحكم، ولا يستدعي أن يترتب عليه كل هذا السب، وكل هذه الخصومات، وهو محمل قوي كما ترى.

رابعها: أن يقال: أن ذلك محمول على ما يصدر من الإنسان في حالة الغضب مما لا يقره ساعة الرضى، وهذا كثير بين الناس، وكل واحد يعرف ذلك من نفسه، وهذا عندي أقوى المحامل، لما دلت عليه النصوص الشرعية من أن الغضب من الأبواب التي يدخل منها على ابن آدم من الشر ما الله به عليم، ولذلك وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم يولي النهي عنه من العناية الشيء الكثير، فنهى أولا عن الغضب، وقال من طلب منه الوصية: لا تغضب، فعاوده مرات، كلُ ذلك يقول لا تغضب، قال الصحابي: (:ففكرت حين قال رسول الله ما قاله ، فإذا الغضب يجمع الشر كله) .

وللدلالة على أنّ الغضب يؤثر تأثيرا بالغا في القدرة على التصور والحكم والتصرف، نذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم منع القاضي أن يقضي وهو غضبان، فقال: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) ، لأن الغضب يحجب العقل عن كمال الإدراك فيؤثر ذلك في الحكم، ولم يستثن من ذلك لا أبا بكر ولا عمر ولا عليا ولا غيرهما، فكل ابن آدم داخل تحت هذا حكم هذا الحديث، ولا يُؤمن عليه إن حكم ساعة الغضب من الجور والحيف، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم (العدلَ في الرضى والغضب) من المنجيات وما ذلك إلا لكونه أعز من الكبريت الأحمر.

ولذلك أيضا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الغضبان بالسكوت فقال: (إذا غضبت فاسكت مرتين) ، حتى أننا نجد الشارع ابطل طلاق الغضبان الذي وصل به الغضب إلى حالة الإغلاق التام بحيث لم يعد يشعر بما يقول، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا طلاق في إغلاق) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت