فهرس الكتاب
على أنه يجب أن لا يفهم من هذا أنني أقصد إنكار ما لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أيد بيضاء على الإسلام والمسلمين، كلا والله. فلن تبلغ الوقاحة حدًا أنكر معه فضائل من خلد الله مآثرهم في كتابه.
ولكن الذي أنكره هو قيامنا بخلق معتقدات عاطفية لم يؤمر بها في كتاب ولا سنة، ثم نقوم بحماية هذه المعتقدات بالمهاترات المنطقية والمشاغبات الطائفية، فنتعصب لفلان ويتعصب غيرنا لفلان. كما أنه ليس من العبادات التي تقربن إلى الله زلفى، وليس إصرارنا على أن فلا ن أفضل من فلان يزيد في فضل هذا الذي ندور في دوامته، ولا ينقص من أقدار الآخرين.
وما الذي نستطيع أن نجنيه من تعصب أعمى لمن لا يدخل تقدير أعماله في متناول مداركنا. إن هذا التعصب منا فضول لا نأمن مغبته، ولا ينجينا من عذاب الله أننا محاسيب لفلان ومتعصبون لفلان، والله الهادي إلى سواء السبيل.
من أضاليلهم:
ربط اليهود بين النسخ والبداء ليتخذوا من استحالة البداء على الله ذريعة إلى الحكم بمنع النسخ وليستدلوا بهذا الحكم على عدم صحة نبوة عيسى ومحمد عليهما السلام. وحجتهم داحضة؛ لأن شريعتهم نفسها ناسخة لما سبقها من شرائع.
أما الروافض فقد كانوا يهودًا أكثر من اليهود، فقد ربطوا بين النسخ والبداء ليتخذوا من جواز النسخ دليلًا على جواز البداء محتجين بقول الله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} وفاتهم أن مجال المحو الإثبات إنما هو المعلوم دون العلم، كالإحياء والإماتة، والرفع والخفض، والقبض والبسط. ونسخ شريعة بأخرى، وتغيير المعلوم بالمحو والإثبات قد سبق به العلم الأزلي الذي لا يتغير، وهو جائز عقلًا ونقلًا. بعكس البداء الذي لا يجوز أن يوصف الله به لأن معناه العلم بعد الجهل، والظهور بعد الخفاء، وتغير العلم تبعًا لتغير المعلوم. تعالى الله عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.