فهرس الكتاب
بقيت لي كلمة أخيرة أوردها هنا لما لها من مساس مباشر في الموضوع وقد كتبتها جوابًا على استفسار بعض الأخوة ممن ظنوا أنهم يحسنون صنعًا في التعصب الأعمى لأبي بكر وعمر، وهي:
أن الخوص في تفاضل صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعة لم نؤمر بمها كما أنها مضيعة للوقت، وإشغال المسلمين بتفاهات لا طائل من ورائها. فإن الله قد نهانا عن تزكية أنفسنا التي نحن أعرف بها من غيرنا، فكيف يرضى منا الخوض في ذكر من اختص نفشه بالاطلاع على سرائرهم، واستأثر بها في علم الغيب وعنده، وإذا كان هذا ما يقال في المناقب، فإن ما يقال في المثالب أشد وأعظم؛ لما فيها من الطعن والبهت لمن قد يظن أنه مسيء، فيكون عند الله محسنًا، وعلى هذا فلا يجوز منا تخصيص أحد بعينه بإطراء أو ذم إلا بدليل قاطع، وهذا الدليل يندر وجوده؛ لأن معظم الأحاديث التي وردت في فضائل فلان ومثالب فلان، ملفقة ومكذوبة، فإذا صح منها شيء لنأخذه على أنه للعبرة وليس للذم أو الإطراء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجل من أن يضيع عمر رسالته في تبيان فاضل ومفضول وأفضل، كما أنه لم يبعث طعانًا ولا لعانًا، ولكن رحمة مهداة.
وليعلم كل واحد منا أن الخوض في الحوادث التي وقعت في صدر الإسلام بين صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحشوها بالمناقب والمثالب إنما هو من البدع التي أدخلها الدساسون في صلب العقيدة الإسلامية لتجزئة المسلمين إلى شيع وأحزاب. وإشعال العواطف بنار الحقد على سلفنا الصالح، حتى لا تجتمع لنا كلمة ولا يلتئم لنا شمل. وحتى لا نتشاغل بأنفسنا عن غيرنا.
ولئن أشاد القرآن الكريم بأعمال المهاجرين والأنصار، وخلد لهم أنبل الذكريات، فقد جاءت إشارته عامة ولم تخصص أحدًا بعينه، كما أن إشارته إلى المنافقين كانت عامة ولم تخصص أحدًا بعينه؛ إذ ليس من أهداف الإسلام مدح فلان، أو قدح فلان.