مثال بسيط على تلك الممارسات ما شهدته كركوك عقب دخول الأكراد, فمع أنها مدينة مختلطة من العرب والأكراد والتركمان والمسيحيين, إلا أن الأميركيين وهبوا المدينة لحكومة السليمانية بزعامة جلال طالباني, وغدا الأكراد الحاكمون الحقيقيون للمنطقة, وعندما أجروا انتخابات مركبة استبعد الأميركيون العرب, ففي قائمة المستقلين التي توازي قوائم القوميات وتختار بعيدًا عن الحسابات القومية والمذهبية اختار الأميركيون اثنين من العرب مقابل مئة وأربعة عشر من الأكراد.
مناخات كهذه تعبر عن استكمال شروط الحرب الأهلية, لكن الحرب لم تحدث لماذا؟.
الأسباب تعود لأكثر من طرف ولأكثر من سبب: السنة ابتداء اختاروا المقاومة بديلًا للحرب الأهلية بقدر ما هي هروب محسوب للأمام. وهي في الوقت نفسه تعبر عن إجماع وطني خفي. فحتى أحمد الشلبي, في مقابلته الأخيرة مع الجزيرة, لم يصفها بالإرهاب بعدما وصف بذلك عملية اغتيال الحكيم. والمقاومة بحسابات سياسية طائفية ترفع من سعر السنة في ظل غياب المنطق لدى الأميركيين. وإذ يجنح الرأي العام لدى السنة إلى التصعيد مع الاحتلال يميل إلى التهدئة مع كل إشكال طائفي أو إثني كما حدث في كركوك والبصرة.
السبب الثاني يعود إلى الشيعة: فالمرجعية الدينية ممثلة بالحوزة التي يقودها السيد علي السستاني كان لها موقف رافض لإراقة الدماء وهذا الموقف تكرر لدى القيادات السياسية ممثلة بتيار مكتب الصدر (الحوزة الناطقة) والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية. والشيعة إجمالًا يرون أن استقرار الأوضاع سيكون في صالحهم, وفي المقابل فإن الحرب الأهلية ستبعد عنهم لقمة الحكم بعدما وصلت إلى الفم.