فهرس الكتاب
على أن ما نراه اليوم من محاولات حثيثة لتنحية دين الله عن الحكم ليس من هذا القبيل وإنما هو من قبيل التشبه بالكفار الغربيين الذين تآمروا على تنحية الدين من الأرض كلها واستصدروا قوانين بديلة زعموا أنها أفضل منه، وكان المشجع لموقفهم هذا: كثرة الأخطاء الفاحشة التي مرت بها كنيستهم، وهم لتعصبهم وكبريائهم لم يتطرقوا إلى احتمال أن يكون دينهم خطأ بل استبقوه شكليًا في زاوية من زوايا حياتهم، وقرروا صرفه عن إدارة شؤونهم السياسية مما زاد في تعاستهم وشقائهم.
ومع ذلك لم يكونوا صادقين في (لادينيتهم) فإن التعصب والتمايز على أساس ديني لا يزال واضحًا فيهم وهو دليل على أن النفس تميل إلى التدين من حيث المبدأ بصرف النظر عن نوع الدين الذي تتمسك به. فقد يكون دينًا صحيحًا وقد يكون وثنية متوارثة من العار التخلي عنها وإن كانت باطلة.
وهذا شيء نقده القرآن {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ} (الزخرف 23) {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} (البقرة 170) {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} (لقمان 21) .
ولقد أرادوا من العالم عامة ومن المسلمين خاصة مجاراتهم وتقليدهم في ذلك. فمن تولاهم ورأى في دين الإسلام ما رآه النصارى في دين النصرانية فهو في حكمهم حيث اتخذ من اللادينية دينًا له. وهي ردة جديدة لم يعرفها المسلمون من قبل. وحتى أئمة المسلمين الظلمة الفجرة كانوا يقيمون أحكام الإسلام في مجتمعهم ولم يكن يخطر لأحد يومًا من الأيام أن يأتي يوم على المسلمين من الداخل بتحريض من المراقبين المتخوفين من الخارج.