فهرس الكتاب
وكان على هؤلاء أن يحتجوا بشرع الله وبأوامره ونواهيه لا بقدره. فإن الله أنزل كتبه وأرسل رسله ليعمل العباد بمقتضاها لا ليحتجوا بقدر الله على المعاصي متشبهين في ذلك بالكفار الذين يقولون {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} فرد الله عليهم {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ ، قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} (الأنعام 148) .
أي لو شاء لأكرهكم على الطاعة ولجعلكم كملائكته الذين {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم 6) . وفي آية أخرى {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا} فرد عليهم {قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (الأعراف 28) .
وهم لا يحتجون بمثل ذلك في أمور رزقهم ومعاشهم، فلا يمكن أن يجلسوا في بيوتهم من غير سعي للرزق ثم يقولوا: لو شاء الله ما قعدنا، وبعد ذلك ينتظرون لعل الله شاء لهم أن يموتوا منذ الأزل جوعًا !!!
ولا يقبل أحدهم أن يُضرَبَ يقول لضاربه: لو شاء الله ما ضربتني.
ولذلك روي أنه لما أتي عمر برجل قد سرق سأله: لم سرقت؟ قال: قدر الله لي ذلك. فأمر به فقطعت يده، ثم أمر بعد قطعها أن يجلد ثمانين جلدة حد الافتراء. فكان القطع للسرقة، والجلد لنسبته الظلم إلى ربه.
فمن عصى الله واحتج بأنه هو الذي شاء له ذلك. فقد ارتكب ذنبين أحدهما أعظم من الآخر:
أولهما معصيته لله.
ثانيهما نسبته الظلم إلى الله، وهذا أعظم من الأول. فإن من يعتقد ذلك فيسضطر أن يعذر النصراني واليهودي على كفره، لاعتقاده أن الله أجبره على كفره. وهذا منتهى الضلالة في فهم القدر.
الفريق الثاني