الصفحة 57 من 239

وفي قصة إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام أعظم المثل في الخضوع والاستسلام لأمر الله مما قصه الله علينا من خبره في قرآنه الكريم إذ قال لولده {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى} ومنام الأنبياء وحي. فلم يبد إسماعيل التسخط وعدم الرضى، وإنما ظهر بمنتهى الخضوع والاستسلام لأمر الله فبادر إلى القول {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ 102 فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} الأب على وشك أن يذبح ولده، والابن قد قدّم رقبته للذبح طاعة لرب العالمين. وليس هناك وصفًا أجود لهذه الحال التي عليها الأب وابنه من قول الله تعالى {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} وهكذا استسلام تام لأمر الله، وفجأة إذا بالنداء من الله {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (الصافات 101 - 106) .

فالإسلام ليس مجرد لقب، وإنما هو صفة تعني الخضوع والامتثال لأوامر الله. ولهذا يغفل الناس عن تدبر معنى قول الله تعالى {فَلَمَّا أَسْلَمَا} وليس معناه أنهما (لما أعلنا إسلامهما) . وإنما لما استسلما استسلامًا صادقًا لله حيث الأب لا يبالي أن يفقد فلذة كبده والولد لا يبالي أن يفقد حياته: كل ذلك في سبيل تنفيذ ما أمر الله. فهل يتصف المسلمون اليوم بمثل هذه الجدية في دينهم. وهل عندهم حقيقة هذا الإسلام الذي تحلى به إبراهيم وولده؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت