يجرجرنا أهل الزيغ بعيدًا عن محكمات الكتاب إلى متشابهاته التي تحتمل وجوهًا عديدة من المعاني ، وفيها مجال واسع للاختلاف بين العلماء ، وليس من السهل القريب أحيانًا إلزام الخصم بالمعنى الآخر للآية موضوع النقاش ، ولا يعدم الأمر من رأي شاذ قال به بعض المنتسبين للحق . فإذا أدخلت الروايات في النقاش أو الاستدلال تعقدت المسألة أكثر لأن الروايات يكثر فيها المكذوب والضعيف ناهيك عن الصحيح المحتمل المعنى، فلا بد أن نلجأ إلى قواعد التصحيح والتضعيف والخوض في علم الجرح والتعديل ، وهو بحر لا ساحل له فإن الاختلاف فيه ليس له حدود ، ولكل فريق قواعده وأحكامه الخاصة ، وكلٌ يصحح ويضعف ما لا يتفق فيه مع الآخر فيتحول الكلام إلى حركة في فراغ لا طائل تحته ! وتتضخم الردود وتزدحم المكتبة بركامها .
أما إذا دخلت الأدلة (العقلية) والأبحاث الفلسفية في حومة النزاع فتكون الواقعة قد وقعت وقضي الأمر وانسدت السبل كلها في وجه طالبي الحق والحقيقة من حيث نتصور أننا نلتمس الحق ونجلي وجهه لطالبيه !
دين الله في ليس معقدًا ولا فوق مستوى ذهن العوام
والآن قل لي بربك: هل يمكن أن تتصور أن دين الله جل وعلا معقد إلى هذه الدرجة ؟ وأنه سبحانه قد وكل عباده كي يتعرفوا على معالم دينه الكبرى إلى هذه السبل الطويلة البعيدة المتعرجة التي لا يحسن الخوض فيها إلا الفطاحل من البشر ؟ ثم يحاكم على أساسها عامة المسلمين مع أن سلوكها أو فهمها متعذر عليهم ! فإذا أخطأ أحدهم لأنه لم يجد بدًا من تقليد العلماء فيها يكون حاله كحال أولئك الذين أخبر الله تعالى عنهم فقال:
( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ) .