فهرس الكتاب
إلى أن جاء الوعد الإلهي وتحقق أخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بغيبة الإمام الثاني عشر، لحكمة علمها عند ربّي في كتاب لا يضل ولا ينسى، فوقعت غيبة صغرى كان له نوائب خاصّين به، يتلقون الأوامر منه، ويبلغون شيعته بما يقول وينصح ويرشد، ولم يكونوا معصومين من الخطأ، ولم يكونوا باب اللّه الذي منه يؤتى، بل هم كغيرهم من السفراء والنواب، يصح ما يصح عليهم من البشر، إلاّ أنهم أتقياء مؤمنون وقع عليهم اختيارٌ في النيابة، ثم بعد ذلك وقعت الغيبة الكبرى، وانتهت فترة السفارة الخاصّة، واستدار الأمر كما بدأ، وأمر الإمام سلام اللّه عليه بالرجوع إلى الفقهاء الذين يستنبطون أحكام الشريعة الغراء، وينشدون منابع الإسلام الصافية الناضحة، الورعين الأتقياء، الذين يفعلون ما يؤمرون به وينتهون عمّا نهوا عنه، ولم يحصروا في شخص معين أو فرد بعينه، بل وصفهم الإمام سلام اللّه عليه وصفًا وانهم ورع أتقياء صائنين لأنفسهم عن العصيان والبهتان، متفقهون في دين اللّه سبحانه وتعالى، وهم بشرٌ يخطأون ويسهون ويقع منهم الاشتباه، ولم يدع لهم الإمام العصمة أبدًا، ولم يقولوا يومًا بأنهم معصومين من الخطأ والنسيان والسهود وغير ذلك، ولم يدع أنهم يلتقون بالإمام ويرونه ويتلقون من الشرع والفتياء، بل لأنهم فقهاء مجتهدون حافظون لأنفسهم ويستنبطون الأحكام الشرعية طبق القواعد والقوانين المطبقة فلذلك يجب الرجوع إليهم، والأخذ عنهم، ويجوز أن يخطأوا في الفتوى غير مصبين بها الواقع، لكن مع ذلك يؤخذ عنهم ويعمل بها; لأنهم لم يفتوا عبثًا ولم يحكموا لغوًا، بل بعد جهد وعناء وبحث واستقصاء، ثم رجح عندهم دليل تلك الفتوى التي أفتوا بها، فاتبعوه وادوه إلى الآخرين .. أما في الجوانب الأخرى فحالهم حال غيرهم من أنهم أُناس يجوز عليهم الخطأ والنسيان وما شابه ذلك; إذ العصمة للرسوله والأئمة المعصومين المنصوصين لا غير .