فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 119

وترى الشعب الآن قد نهشته أنياب الفقر، فصار في عبوديته أسوأ من عبودية رقّ الرَّقَبة ورق الأرض من قبل، وأمره مغلق. أما العبودية القديمة، فقد كان أمرها أهون، إذ يستطيع الشعب التحرر منها بوسيلة ما، أمّا من هذا الفقر المدقع المحيط به، فلا أمل له في النجاة، وقد جعلنا الدساتير تنص على الحقوق نصا صريحا، وهي ما يسمى بحقوق الشعب. وأما الشعب نفسه، فإنه لا يناله من هذا شيء، وهو لا يجد هذه الحقوق إلا خيالا وسرابا، ويوقن العامل الكادح أن لا جدوى له من تلك النصوص الفارغة والخطب الجوفاء في القاعات، إذ يدور حول نفسه، فإذا به باقٍ على الطوى يعاني الشدائد، ولا يصيبه أيُّ خير من الدستور ونصوصه، إلا ما يتساقط عليه من فُتات الموائد في مواسم الانتخابات العامة، لينتخب المرشح الذي يُملي عليه اسمه من قِبَل عملائنا. والحقوق التي ينالها في بلاد الحكم الجمهوري ليس له منها إلا المرارة، وهي لا تخفف من أعبائه شيئًا، بل تسلبه من الناحية الأخرى جميع الضمانات التي تكفل له بعض الأجور المنتظمة، وتجعله يلجأ إلى الإضرابات مع رفاقه، أو تراه موقوفًا محجوزًا عليه بأمر سادته.

والشعب بإرشادنا قد محا الطبقة الأرستقراطية التي كانت تدافع عنه وتحميه لمنفعتها منه إذ مصالحهما مشتركة. ونرى الشعب اليوم بعد نسفه الطبقة الأرستقراطية، قد أطبَقَت على مخنقه أيدي صغار المرابين يمتصونه امتصاص العَلَق، فاسترقّوه وقيدوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت