فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 119

ففي الزمن الغابر، لمَّا كانت الشعوب تنظر إلى الملوك المتبوئة العروش، كأنها تنظر إلى من تجلت فيه إرادة الله، كانت تلك الشعوب وقتئذٍ خاضعة للسلطة المطلقة التي للملوك، بلا مناقشة ولا حراك. لكن منذ أخذنا نحن نُشرِب عقول الشعوب عقيدة أنَّ لهم حقوقًا، شرعوا تعتبرون الجالسين على الأرائك بشرًا وقومًا عاديين يأتي عليهم الفناء كسائر الناس. والزيت المقدس الذي مُسِحَ به رأس الملك الذي هو ظل الله على الأرض، زيتٌ عادي غير مقدس في عيون الشعب، ولما سلبناهم إيمانهم بالله، فإذا بجبروت السلطة يُرمي به إلى الشوارع حيث حق التملك هو حق الجمهور، فاقتنصناه نحن.

وفوق ذلك، فإن فن توجيه الجماهير والأفراد بوسائل تُتقِن إلقاءَ النظريات وإشباعها بكثرة الكلام حولها، مما يرمي إلى ضبط مدار الحياة المشتركة بهذا وغيره من الحيل التي لا يعرف الغوييم من اكتناه أسرارها شيئًا - إن هذا الفن، عندنا نحن أربابه الاختصاصيون الذين تلقّوا أصوله من ينابيع أدمغتنا الإدارية، فهؤلاء الاختصاصيون قد نشأوا على التمرس بالتحليل والملاحظة، ومعاناة حصر الدقائق في القضايا الحساسة الرفيعة، وفي هذا المضمار ليس لنا ندّ ولا نظير في رسم المخططات للنشاط السياسي ومعالجة المسؤوليات. وفي هذا المجال لا يضاهينا أحدٌ إلا الجزويت، لكننا نحن قد ابتدعنا من الطرق ما يصلح لإسقاط هيبتهم عند الدهماء وسواد الناس الذين لا يفكرون إلا سطحيًا، وإنما تمكنا من الجزويت لأن مؤسستهم مكشوفة، بينما نحن استطعنا أن نبقي أجهزتنا السرية مغطاة محجوبة كل الوقت. وعلى كلٍّ، فالعالم قد لا يبالي شيئًا بمن يتبوأ عرشه، أهو رأس الكثلكة أم المتسلط الذي يَظهر منا منحدّرًا بدمه من صهيون! هذا من جهة العالم، أما من جهتنا نحن فهذا الأمر يهمنا جدًا، فإننا الشعب المختار، والمسألة تقتضي منا كل المبالاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت