فهرس الكتاب
وحتى لا تتلاشى مؤسسات الغوييم قبل حلول الوقت المضروب، فإننا قد أفرغنا عليها مسحةً من الأخوة الماسونية، ومظهرًا يعطي الهيبة والكياسة وقبضنا على نوابض الأجهزة كما يقبض على جهاز آلي متحرك، وهذه النوابض نُعنى بضبطها، ووضعها الموضع المحكم، العناية كلها، وهى الآن تحل محلها الفوضى من الإباحات المنطلقة من الحرية اللبرالية. وإننا قد تدخَّلنا أوغل تدخل فيما يتعلق بإجراء القوانين وتطبيقها، كما تدخّلنا في إدارة الانتخابات العامة، وفي توجيه الصحف، وحرية الفرد، على أن تدخلنا الرئيسي وهو أصل من أصول خططنا، وهو في التعليم والتدريب، إذ هما حجر الزاوية في الوجود الحرّ.
وأما شباب الغوييم فقد فتنّاهم في عقولهم، ودوخنا رؤوسهم، وأفسدناهم بتربيتنا إياهم على المبادئ والنظريات التي نعلم أنها فاسدة، مع أننا نحن الذين لقَّنَّاهم ما تربوا عليه.
وفوق أجهزة القوانين الجارية، ودون حاجة إلى أن نغير مادتها من حيث الأساس، قد استطعنا أن نقيم شيئًا تنبعث منه مجالي العظمة والجلال، وذلك بأننا لوينا القوانين فالتوت، وعقَّدناها فتعقدت، فأمست ركامًا من تفاسير متناقضة،فأدركنا المراد بالنتيجة: فنشأ عن ذلك أولًا أن تلك التفاسير والشروح لتناقضها قد ألبسَت معاني القوانين الغموض والإبهام، فانسدَّت الطرق على الطالبين، ثم بعد ذلك زاد شيء آخر، وهو أن القوانين نفسها قد عُمّى لبابها عن إفهام الحكومات لاستحالة التوفيق بين مختلف المقاصد، واستحكام حلقة المعضلات، حتى أمست القوانين مشتبكًا كبيت العنكبوت.
وإنما هنا يكمن أصل نظرية التحكيم.