فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 119

وبعد أن نكون قد فرغنا من ترتيب هذه الأمور على مواقيت، فإننا نتحول إلى جهة أخرى، فنُعنى بتفصيل ما يتعلق بالمناحي التي بها تتم مجاري الثورة عي طريق أجهزة الدولة في الاتجاه المقرر. وأعني بهذه المناحي حرية الصحافة، حق تأليف الجمعيات والأحزاب والهيئات، حرية الرأي والضمير، حق التصويت في الانتخاب، وغير ذلك مما يجب أن يمحى ويغيب إلى الأبد من ذهن الإنسان، أو أن يُعدَّل تعديلًا ينسف حتى الأساس، شرط أن يقع هذا كله غداة إعلان الدستور الجديد بلا تراخٍ. وهذا مستطاع الآن في هذه الفترة، فنصدر أوامرنا كلها دفعة واحدة، ولا نؤخر منها شيئًا، إذ لو أخرناها أقل تأخير وأُلحق بالدستور تعديل تالٍ، فكل تعديل ذو بال يقع على هذا الوجه، لا بد أن يكون فيه خطر، للسبب التالي: إذا كانت مادة التعديل خشنة فظة، وكانت طريقة الاقتراح خشنة فظة كذلك، مع قصر نظر المقترح في موضوعه، فقد يشمخ المقترح بأنفه ويعتقد أن هذا التعديل يفتح الباب لأمثاله ينسجون في الاقتراح على منواله، وحينئذ يقال بأننا قد اعترفنا بأخطائنا، وهذا ينال من الهيبة المحيطة بسلطتنا المعصومة، أو يقال أنه قد دخلت علينا مخاوف فاضطررنا إلى المسايرة و المجاراة، و على هذا الموقف لا يشكرنا أحد، بل يظنون أننا نزلنا على الإكراه، وغُلِبنا على أمرنا. وكل وجه من هذه الوجوه ضارّ بسمعتنا بين يدي الدستور الجديد. وأما ما نريد، فهو أن تعترف الشعوب فورا، و حرارة الانقلاب لم تبرد بعد، بأننا أقوياء، ولا سبيل لأحد إلى زحزحتنا قيد شعرة، و كلنا بأس رهيب من قرننا إلى قدمنا، فلا نحسب حساب أحد، ولا نخاف الخوف الذي يضطرنا إلى الأخذ برأي أحد، ونحن على استعداد في كل وقت ومكان أن نسحق كل من ينبس بكلمة اعتراض، ونثبت أننا قد مَلكَنا الأمر كله على الغوييم، و ليس بودنا أن نتقاسم وإياهم ما مَلكنا، وإننا نفعل هذا والرؤوس لا تزال دائخة من هول ما وقع والناس مأخوذون، والخوف يتملكهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت