فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 119

وأما جمعيات الغوييم السابقة التي زرعنا فيها بذور التفرقة، والمخاصمة، والتنابذ، والانشقاق، فَنَمَتْ تلك البذور وامتدت جذورها، فالطريقة الوحيدة لإقامة النظام في هذه الجمعيات هو اتخاذ تدابير صارمة تتجلى فيها سطوة السلطة بكل وضوح. ولا نبالي بالضحايا في هذا السبيل، فإن تضحيتنا هنا بهؤلاء إنما هي لخير المستقبل، وتحقيق هذا الخير للمستقبل، ولو شُرِيَ بالضحايا, ينبغي أن يكون الواجب المطلوب من كل حكومة تعترف بأن تبرير وجودها، لا يتمّ بأن يكون لها حقوق وكفى، بل لا يتم إلا بأن يكون عليها أيضًا واجبات والتزامات. وأكبر ضمان لوثاقة الحكم الجديد في أوضاعه، هو إظهار عزة الدولة وهيبتها، كأنها تعتصب هالةً من نور، وهذه الهالة مجلاها ومظهرها جبروت القوة، ويدلُّ على ذلك الشعار الذي في جبينها، وهو رمز عصمتها المستمدة من أسباب علوية - يوم اختارنا الله. والأوتوقراطية الروسية إنما كانت على هذه الصفة حتى وقتٍ قريب، وهي العدو الوحيد الرهيب رأيناه في العالم، ولا ندخل في هذا الحساب الآن، البابوية. واحفظوا في بالكم على سبيل المثال ما وقع في إيطاليا، فإنها، وهي سابحة في الدم، لم تستطع أن تمسَّ ولو شعرةً من رأس صولاّ وهو الذي أسال تلك الدماء. وتمتع صولاّ بصولة عارمة فعلًا وتأله، لمًّا ملأ عيون الناس روعة السطوة، مع أن الشعب كان قد رأى منه الويل والعذاب، وانتثر من بين يديه مقطعًا إربًا إربًا. لكن لمًّا عاد صولاّ إلى إيطاليا عودة المقحام الجريء، أفرغت عليه عودته هذه بهاءَ العظمة، ووشاح القدرة التي لا تُغْلب. فأمسى الشعب أخوف من أن يومئ إليه إيماءً، وأصل ذلك عند صولاّ الإقدام وقوةُ العقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت