فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 119

عندما نرى ضروريًا لمصلحتنا أن نقوّي دفاعنا السري بالتدابير الصارمة (هذا افتك سمّ بهيبة السلطة) فإننا سنصطنع ما يوهم بوقوع الاختلال، أو ما يكون منه مظاهر النقمة العامة والتململ، وذلك بالاستعانة بنفر من الخطباء اللسنين، فيلتفُ من حولهم كل من يخلبه القول فينساق إلى غايتهم. فنستمد من حالة الهياج العام العلة والسبب، فتُدَاهم المنازل والمساكن وتقتحم بالتفتيش والمصادرة، وأخْذ الناس بالاستجواب ووضعهم تحت المراقبة وتفنيد حرياتهم، فتنتشر المخاوف وَيعِمّ القلق، وإنما يقوم بهذا عملاؤنا الذين هم طوع أمرنا، يعملون في شرطة حكومات الغوييم.

ولما كان معظم من يقوم بحبك المؤامرات هم الذين لهم استعداد بالفطرة لهذا العمل، وفي نفوسهم هوى لإتقانه، ويتولعون به، لمجرد أن يمارسوه ويخوضوا يه، فيكون لهم شأن، فنحن ندعهم وما هم بسبيله، لا نتعرض لهم بشيء، كأن لا صلة بيننا وبينهم، إلا أن ندّس فيهم من العيون الخفية من قِبَلِنا، إلى أن تقع على أيديهم حوادث مكشوفة، وعلينا أن نتذكر أن هيبة السلطة لا بد لها أن تتناقص وتهزل، إذا كثر اكتشاف المؤامرات عليها: فيأخذ الناس من هذا أن قد عراها الوهن، ويرون مصداق هذا في مواقفها وضعف الوسيلة فيما تصنع، بل يعتقدون ما هو أسوأ: وهو أنها أوغلت في إيقاع الناس في المظالم، وهذا أفعل الأسباب في خرابها. وتعلمون أننا قد هشَّمنا هيبة الملوك، ملوك الغوييم، بما أوقعناه من محاولات اغتيالهم مرات متعددة، على يد عملائنا، وهم كالأغنام في سهولة الانقياد، يتحركون بكل طواعية واستجابة، وشرطهم الوحيد أن يُومأ إليهم بالثناء عليهم، ويشاد بذكرهم على مسمع من الجمهور أنهم أصحاب بطولة سياسية. بهذا نكون قد أكرهنا الحكام على الاعتراف بضعفهم لمَّا امتدحناهم على ما اتخذوه علنًا من تدابير الدفاع وهو من أسرار الدولة وهنا المفتاح لانهيار السلطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت