وكان قيام النجف وكربلاء بوظيفة مدن سوق صحراوية ومخازن حبوب في العراق قد جعل المدينتين قناة اتصال هامة بين العشائر؛ إذ كانت الرحلة السنوية لعشائر العراق الصحراء السورية والجزيرة العربية الرحل تدور حول موسمين. ففي موسم الأمطار كانت العشائر تتوجه نحو الرعي في المناطق الصحراوية، ولكنها بين أوائل نيسان أبريل وأواخر تشرين الأول أكتوبر كانت توجد قرب المناطق الريفية المزروعة بحثًا عن الماء والغذاء. وكان هذا يتزامن مع موسم حصاد القمح والشعير في جنوب العراق، حيث يبدأ في نيسان إبريل [1] . وقبل منتصف القرن التاسع عشر كانت الحلة سوقًا عشائرية كبيرة ومركزًا للتبادل وربما قامت أيضًا بدور المركز لإشاعة المذهب الشيعي بين العشائر [2] . وفي حين أن النجف كانت خربة تقريبًا حتى القرن الثامن عشر فقد كانت لدى كربلاء إمكانية الاضطلاع بهذا الدور حينئذٍ بسبب عمق أراضيها الأخصب نسبيًا وإصلاح قناة الحسينية. ولكن كما سيتضح من مناقشة مسألة الماء والزراعة فإن فاعلية النشاط التبشيري الشيعي لم تتحسن بصورة ملحوظة إلا بعد الزيادة الكبيرة في مساحة الأرض المزروعة حول كربلاء والنجف منذ القرن التاسع عشر نتيجة شق قناة الهندية.
(1) عبد الجبار عريم، القبائل الرحال في العراق (بغداد، 1956) ؛ 23-24؛
(2) عبد الله النفيسي: دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث (بيروت، 1973) 69