الصفحة 4 من 10

لقد تأمل خاتمة الحفاظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - هذا الحديث في الفتح ، فكان من فتوحه قوله: و كأن ذلك صدر من أبي الدرداء في أواخر عمره ، و كان ذلك في أواخر خلافة عثمان ، فياليت شعري ، إذا كان ذلك العصر الفاضل بالصفة المذكورة عند أبي الدرداء ، فكيف بمن جاء بعدهم من الطبقات ، إلى هذا الزمان ؟ ) [10] .

و قد كان صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - يبكون حنينًا إلى السنة ، و هي فيهم أعز ما تكون ، و خوفًا من البدعة ، و هي عنهم أبعد ما تكون ...

قال الزهري كما في الصحيح: دخلت على أنس بدمشق و هو يبكي ، فقلت له: ما يبكيك ؟

فقال: ( ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة ، و هذه الصلاة قد ضيعت ) . و في لفظ: ( ما كنت أعرف شيئًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنكرته اليوم ) . [11]

هذا كله في عهد الصحابة ، و هم أنقى القلوب سريرة ، و أحفظهم لشرع الله ، و لو أردنا أن نتتبع حال من بعدهم لرأينا ما يفطر الأكباد ، من اندثار السنن ، و غياب أهلها ، و قلة المدافع عنها ، و حسبنا من ذلك قول ميمون بن مهران: لو أن رجلًا أنشر فيكم من السلف ما عرف غير هذه القبلة ) [12] .

وكاد أن يضيع أهل السنة في زحام البدع و المبتدعة ، و كادت أشعة هداهم أن تحجب بسحب الشبه و الأهواء و دعاتهما ، و رحم الله سفيان الثوري الذي قال: ( استوصوا بأهل السنة خيرًا ، فإنهم غرباء ) [13] .

و لما كان اختفاء السنن و اندراس معالمها يفتح الباب على مصراعيه أمام البدع التي تتدفق كالسيل الجرار على العقائد و العبادات ، فتفسد الأصول ، و الفروع ، و تشرع المحظور ، و تبطل المشروع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت