وقد كان المتشيعون لعلي في هذه المرحلة معتدلين، فلم يكفروا واحدًا من المخالفين لعلي - رضي الله عنه - ولا من الصحابة، ولم يسبوا أحدًا، وإنما كان ميلهم إلى علي نتيجة عاطفة وولاء.
وقد اشتهر بهذا الموقف جماعة من أصحاب علي، قيل منهم أبو الأسود الدؤلي، وأبو سعيد يحيى بن يعمر، وسالم بن أبي حفصة. ويقال: إن عبدالرزاق صاحب المصنف في الحديث، وابن السكيت على هذا الاتجاه.
ثم بدأ التشيع بعد ذلك يأخذ جانب التطرف والخروج عن الحق، وبدأ الرفض يظهر وبدأت أفكار ابن سبأ تؤتي ثمارها الشريرة فأخذ هؤلاء يظهرون الشر، فيسبون الصحابة ويكفرونهم ويتبرءون منهم، ولم يستثنوا منهم إلا بضعة عشر شخصًا، كسلمان الفارسي، وأبي ذر، والمقداد، وعمار بن ياسر، وحذيفة.
وحكموا على كل من حضر «غَدير خُمّ» [1]
(1) غدير خم: هو يوم اتخذه الشيعة الرافضة عيدًا، وهو اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة. ويفضلونه على عيدي الأضحى والفطر، ويسمونه بالعيد الأكبر. وصيام هذا اليوم عندهم سنة مؤكدة، وهو اليوم الذي يدَّعون بأن النبي قد أوصى فيه بالخلافة لعلي - رضي الله عنه - من بعده.
... وإليك الرواية الواردة في ذلك:
... قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في"منهاج السنة النبوية"، (7/36-41) : «فصل قال الرافضي: البرهان الثالث- [يعني على أن عليّا - رضي الله عنه - أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر - رضي الله عنهم - ] قوله تعالى: ( چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? گ) [المائدة:3] . قال [الكلام للشيعي الرافضي] : روى أبو نعيم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا الناس إلى"غدير خم"، وأمر بإزالة ما تحت الشجر من الشوك، فقام فدعا عليًّا فاخذ بضبعيه فرفعهما حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية: ( چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? گ) . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي وبالولاية لعلي من بعدي» . ثم قال: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» . فالرافضة يستدلّون بهذا الحديث على أحقّية علي بالخلافة دون أبي بكر وعمر - رضي الله عنهم - .
... وهذا قول باطل لوجوه، منها:
1-... أن هذا الحديث موضوع أي: كذب مختلَق على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وباطل ، باتفاق أهل المعرفة بالموضوعات.
2-... أن العلماء قد اتفقوا على أن هذه الآية قد نزلت في يوم عرفة وفي يوم الجمعة، في حجة الوداع، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، كما ورد ذلك في البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الصحاح والسنن والمسانيد. وهذا اليوم كان قبل"غدير خم"بتسعة أيام؛ فكيف يقال إن هذه الآية نزلت في يوم"الغدير"؟!
3-... أن هذه الآية ليس فيها دلالة على عليٍّ ولا إمامته بوجه من الوجوه، بل فيها إخبار الله بإكمال الدين وإتمام النعمة على المؤمنين ورضاه بالإسلام دينا. فدعوى المدّعي أن القرآن يدل على إمامته من هذا الوجه كذب ظاهر.
وأما الجزء الأخير من الحديث «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» ، فقد حكم شيخ الإسلام علي الطرف الأول منه بأنه ضعيف. وحكم على طرفه الثاني بالبطلان، أي: أنه موضوع مختلق على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لعلة خفية دقيقة، هي أن ذلك ليس من دعوات النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - مستجاب، وليس هذا مما قد وقع، فدل على أن الحديث لم يصحّ.
... وأما الشيخ الألباني / فقد حسّنه بشواهده ومتابعاته، في"سلسلة الأحاديث الصحيحة"، (4/330، ح1750) . ارجع إليها إن شئت. وكلام الألباني فيه قوة، وكلام شيخ الإسلام فيه دقة استنباط، والقلب إليه أميَل. وهو -عندي- أقرب إلى الصواب؛ لأن التصحيح والتضعيف لا يقتصر على السند فقط؛ وقد يكون السند صحيحًا مع كون المتن ضعيفًا. فتنبّه، حفظك الله. والله تعالى أعلم.
... وعلى كل حال، فليس فيما حسّنه الألباني ما يدل على خلافة علي - رضي الله عنه - . قال الألباني /: «أما ما يذكره الشيعة في هذا الحديث وغيره، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في علي - رضي الله عنه -: «إنه خليفتي من بعدي» ، فلا يصح بوجه من الوجوه. بل هو من أباطيلهم الكثيرة التي دل الواقع التاريخي على كذبها لأنه لو فرض أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله، لوقع كما قال لأنه (وحي يوحى) ؛ والله سبحانه لا يخلف وعده».
... وقال علي القاري / في"مرقاة المفاتيح"، (17/449) -في شرح حديث"غدير خم": «تمسكت الشيعة أنه من النص المصرح بخلافة علي - رضي الله عنه - ؛ حيث قالوا: معنى المولى الأولى بالإمامة وإلا لما احتاج إلى جمعهم كذلك. وهذه من أقوى شُبَههم. ودفعها علماء أهل السنة بأن المولى بمعنى المحبوب. وهو علي - رضي الله عنه - سيدنا وحبيبنا. وله معان أُخَر تقدمت ومنه الناصر وأمثاله. فخرج عن كونه نصاًّ فضلا عن أن يكون صريحا.
... ولو سلم أنه بمعنى الأولى بالإمامة فالمراد به المآل، وإلا لزم أن يكون هو الإمام مع وجوده - عليه السلام - ، فتعين أن يكون المقصود منه حين يوجد عقد البيعة له، فلا ينافيه تقديم الأئمة الثلاثة عليه لانعقاد إجماع من يعتد به حتى من علي. ثم سكوته [يعني عليًّا] عن الاحتجاج به إلى أيام خلافته قاض على أن من له أدنى مسكة بأنه علم منه أنه لا نص فيه على خلافته عقب وفاته - عليه السلام - مع أن عليا - رضي الله عنه - صرح نفسه بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم ينص عليه ولا على غيره. ثم هذا الحديث مع كونه آحادا مختلف في صحته فكيف ساغ للشيعة أن يخالفوا ما اتفقوا عليه من اشتراط التواتر في أحاديث الإمامة...»انتهى كلامه.
... وإليك الرواية الصحيحة في قصة"غدير خُمّ":
... روى الإمام مسلم / في"الصحيح"، (7/122، ح6378) ، عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: «قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فينا خطيبا بماء يدعى خُمًّا [قال النووي (رحمه الله تعالى) : «هو بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم. وهو اسم لغيضة على ثلاثة أميال من الجحفة عندها غدير مشهور يضاف إلى الغيضة فيقال غدير خم] بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكّر. ثم قال: «أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور؛ فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» . فحث على كتاب الله ورغّب فيه. ثم قال: «وأهل بيتى أذكركم الله في أهل بيتى. أذكركم الله في أهل بيتى. أذكركم الله في أهل بيتى» . فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ [يعني ابنَ أرقم] أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم.
... وقد زعمت الشيعة الرافضة أيضا أن قوله تعالى: (? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ) [المائدة:67] ، نزلت في يوم غدير خُمّ. وهذا قول باطل، والحديث الوارد في ذلك هو حديث موضوع، مختلَق على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . انظر"سلسلة الأحاديث الضعيفة"، للألباني، (10/426، ح4922) .
... وورد في صيام ذلك اليوم حديث باطل ذكره الجورقاني في"الأباطيل"، (2/155، ح516) . وكل ذلك لم يسلم منه شيء، فتنبّه!