الصفحة 37 من 73

وكان من هديه عليه الصلاة والسلام مقاربة ركوعه وسجوده لقيامه كما في حديث أنس رضي الله عنه و أرضاه وما ألذ القيام إذا كان بهذه المثابة أن يكون ركوع الإنسان قريب من قيامه وسجوده قريب من ركوعه فهذا من أفضل ما يكون فإنه يجمع بين الفضائل كلها فيجمع بين فضيلة تلاوة القرآن وفضيلة التسبيح وذكر الله جلَّ جلاله وفضيلة الدعاء في السجود فيصيب الفضائل على أتم الوجوه وأكملها ولذلك استحب العلماء أن يكون هناك في الصلاة أتزان من حيث طول الركوع وطول السجود وهذا كله إذا صلى الإنسان لوحده. أما إذا صلى بالناس ووراءه الضعيف و السقيم والكبير وذو الحاجة و حطمة الناس فإنه يرفق بهم ويحاول إصابة السنة قدر استطاعته ولكن لا يشق على الناس لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل أشياء شرعها للأمة وكذلك نص على أشياء بقول التشريع للأمة فقال:"إذا أم أحدكم الناس فليخفف - فنص على أنه يستحب على أنه ينبغي له أن يراعى أحوال الناس - , فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض، فإذا صلى وحده، فليصل كيف شاء" [1] , فلما ثبت قيامه بالليل وحده عليه الصلاة والسلام وطوَّل قالوا إذا كان الإنسان إمامًًا في صلاة التراويح يراعى أحوال الناس ولا يخفف تخفيفا يفوت به الفضل على الناس ولا أيضًا يطول بهم إطالة يملون بها كتاب الله عز وجل أو الوقوف بين يديه وهذا أمر يرجع إلى نظر الإمام وتوفيق الله عزَّ وجلَّ له والله تعالى إذا أراد للإمام الخير وضع له القبول بين الناس فإن الإمام إذا راعى أحوال الناس ورفق بهم ووسَّع عليهم في الحدود الشرعية وجعلهم يحبون الصلاة ورائه ويرتاحون لذكر الله ورائه فإن هذه غنيمة عظيمة وخير كثير ولا شك أن الناس يحبون الخير ويكثرون عليه ويزدادون رغبة فيه وهذا أفضل مما لو طوّل وبقى معه قليل وفوت على الناس حب الخير وفوت عليهم الحرص على شهوده فلا شك أن الأفضل والأكمل إذا كان هناك رفق أن يراعى من يحتاج إلى الرفق من المأمومين.

-تعظيم الله في الركوع والدعاء في السجود:

وكان من هديه عليه الصلاة والسلام تعظيم الله في الركوع يركع فيطيل في ركوعه فيعظم الله فيكثر من الثناء عليه وفى الحديث الصحيح أنه كان من تعظيمه وتمجيده لربه قوله:"سَبُّوح قدُّوس رب الملائكة والروح", وثبت عنه عليه الصلاة والسلام انه كان يبرأ في سجوده في قيام الليل ويختار الأدعية العظيمة التي فيها سلامة العبد في دينه ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين رضي الله عنها قالت افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم فجالت يدي فوقعت على قدمه ساجدًا يقول:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه فانظر إلى حكمته وعلمه بربه وبصيرته صلوات الله وسلامه عليه كيف اختار هذا الدعاء الذي فيه سعادة الدين والدنيا والآخرة و فلاح الكل فقال ثبت قلبي على دينك قال العلماء يستحب أن يختار الداعي في قيام الليل أفضل الدعاء وأجمعه وليس هناك أفضل ولا أجمع من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الدعاء العظيم ونحوه من الأدعية المأثورة.

-وصل الوتر:

وكان من هديه عليه الصلاة والسلام انه يصل وتره فيكون بالخمس ويكون بالسبع ويكون بالتسع متصلة ويكون بالإحدى عشر متصلة ولا حرج أن يصلى الوتر بالواحدة منفصلة وأن يوتر بالثلاث متصلة وأن يوتر بالخمس متصلة وبالسبع وبالتسع كل ذلك جائز ومشروع ولذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام الإذن بالفصل وكذلك فعله بالوصل.

ومن إذنه بالفصل قوله عليه الصلاة والسلام:"صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى" [2] قال بعض العلماء أنه قال أن يوتر بواحدة فاستوى أن يكون فصلًا أو يكون وصلا ً والسُنَّة في قيام الليل أن يكون وترا بهذه لركعة التي ذكرنا وهذه الركعة وهى الوتر فضيلة وليست بفريضة على أصح قول العلماء وهو قول جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث أن الوتر سُنَّة وليس بفريضة والأصل في سُنِّيَتِه قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين لما سُئِل عما فرض الله من الصلوات قال: ..."فإن هم أطاعوه لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات" [3] , فلو كان الوتر واجبًا لكانت الصلوات ستًا وكذلك ثبت عنه في الحديث الصحيح من حديث طلحة بن عبيد الله أنه لما سأله الرجل ما الذي فرض الله من الصلوات قال خمس قال هل علينا غيرها قال لا إلا أن تطوّع فدل على أن الوتر فضيلة وليس بفريضة.

(1) رواه الألباني.

(2) رواه الألباني.

(3) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت