فهرس الكتاب
وقال بعض العلماء بفرضيَّته كما هو مذهب الإمام أبى حنيفة رحمة الله عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله عز وجل قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر" [1] , والذي يظهر أن هذا الحديث المراد به الفضيلة وليس الفريضة وبذلك جاء بمثل سياقه في ركعتي الفجر وهم الرغيبة فدل على إنها بفضيلة وليس بفريضة فيحمل على الندب و الاستحباب لا على الحتم و الإيجاب.
السنة بالوتر أن يكون مرة واحدة أي يوتر في ليله كله مرة واحدة ولا يكرر الوتر لقوله عليه الصلاة والسلام:"لا وتران في ليلة" [2] كما رواه الترمذي في سننه , قال العلماء نُهِىَ عن الوترين في ليلة لأنه إذا صلى الوتر مرتين أصبح العدد شفعيًا والمقصود في قيام الإنسان بالنافلة في الليل أن يكون العدد وتريًا لا شفعيًا , وأخذ بعض العلماء من هذا دليلًًا على أن من أوتر في أول الليل وقام في آخر الليل أنه يصلى ركعة ينقض بها الوتر الأول لأن قوله لا وتران في ليلة يدل على أن الوتر ينقض الوتر و لهذا ثبت هذا فإنه ينقض الوتر الأول بالوتر الثاني ثم يصلى شفعًًا ما شاء ثم يوتر لكي يحصِّل الفضيلة بقوله:"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا [3] ", فمن أوتر أول الليل فهو بالخيار بين ثلاث لأحوال:
إما أن ينقض الوتر الأول بركعة إذا صلى في أول الليل وأوتر ثم أراد الله أن يقوم في آخر الليل فأحب أن يصلى فهو في الخيار بين ثلاث أشياء:
1)إما أن ينقض الوتر الأول بركعة ثم يصلى ما شاء ثم يوتر وهذا هو المأثور عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ويدل عليه حديث الترمذي"لا وتران في ليلة" [4] , حيث دل على أن الوتر ناقض للوتر.
2)والحالة الثانية أن يصلى ركعتين ركعتين ولا يوتر لأن الوتر الأول أجزئه ويدل على هذه الحالة ما ثبت في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة و غيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعد الوتر قال العلماء صلاهما لبيان الجواز وانه لا حرج على المسلم أن يصلى الشفع بعد الوتر ولكن هذه الصورة الثانية يشكل عليها أنه يفوت على نفسها الأفضل و الأكمل وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" [5] , وهذا يدل على أن المستحب والمرغّب فيه أن يكون الدعاء وتر في آخر الليل فإذا كان سيصلى ركعتين ركعتين يكون وتره لأول الليل لا لآخر الليل
3)وأما الخيار الثالث وهو ضعيف ومرجوح يعارض حديث الترمذي الذي ذكرناه فهو أن يصلى ركعتين ركعتين ثم يوتر ثانية ً وهذا قول مرجوح والصحيح إنه يقتصر إما على نقل الوتر أو يصلى شفعًًا بعد وتره على ظاهر حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
-القراءة في صلاة الليل:
يجوز في صلاة الليل في قراءتها الجهر والسر ولا حرج عليه أن يجهر ولا حرج عليه أن يُسِر ولكن الأفضل أن يجهر بقدر ما يُسمع نفسه وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ندب عمر إلى أن يخفض من صوته وأبا بكر أن يرفع من صوته وهذا هو العدل والوسط الذي أمر الله به. قال العلماء انه لو رفع صوته بتلاوة القرآن ذهب خشوعه وضعفت نفسه عن فضائل هي آكد وأبلغ ولذلك قالوا يرفع قليلًا بقدر ما يُسمِع نفسه فهذا هو الأفضل له والأكمل لأنه يكون على نشاط ولأنه إذا رفع من صوته وسمع بأُذنه حصّل فضيلة التلاوة وفضيلة التأثر بسورة أبلغ مما لو قرأ في سره.
كما يستحب في قراءة الليل أن يقرأ من القرآن بالنظر وأن يقرأ غيبًا وهل الأفضل أن يقوم في الليل بالقرآن أو غيبًا مسألتان:
المسألة الأولى أنه يجوز له أن يقرأ بالقرآن نظرًا والأصل فيه أن عائشة رضي الله عنها كانت تأمر مولاها ذكوان أن يقوم بالليل بالمصحف ونص جماهير العلماء على أنه لا حرج أن يصلى في صلاة الليل وهو ينظر إلى المصحف ولكن هل الأفضل أن يقرأ بالمصحف أو يقرأ غيبًا؟؟؟
قال بعض العلماء الأفضل أن يقرأ غيبًا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ غيبًا ولأنه إذا قرأ غيبًا انشغلت أحاسيسه وانشغل ذهنه بتذكر الآيات وضبطها وأدائها من دون نقص أو خلل وهذا جهد وتعب يكون أبلغ في الأجر والمثوبة وثالثًا لأنه إذا حمل المصحف انشغل بحمله وكلف نفسه حمله أثناء السجود والنظر إليه والأفضل أن يكون نظره إلى موضع السجود وذلك أقوى وأدعى لخشوعه ولذلك قالوا الأفضل أن يكون غيبًا ولا يكون نظرًا.
وقال بعض العلماء الأفضل أن يقرأ بالمصحف سواء في الصلاة أو غير الصلاة لأنه يأمن الخطأ ولأنه أدعى لضبط القرآن فهي فضيلة متصلة ولأن القراءة من المصحف تفرغه للتفكر بالآيات أكثر والتدبر فيها أكثر.
(1) رواه النووي.
(2) رواه ابن حبان.
(3) رواه مسلم.
(4) رواه ابن حبان.
(5) رواه البخاري.