الصفحة 45 من 73

عباد الله إنه قد أُحيط بنا في مسالة الملهيات بل والمحرمات والصوارف التي تشغل عن الله وهذه الوسائل الترفيهية الكثيرة التي دخلها الحرام في غالبها , إنها قد قست القلوب , أورثت قسوة القلب , فينبغي أن يُلين القلب القاسي في هذا الموطن في العبادة العظيمة فيقوم في النهار ويقوم في الليل ويعتكف في المساجد وينصرف عن المحرمات وينقطع عن الشواغل ويتأمل في عيوب نفسه ويتأمل في كتاب ربه ويتأمل في حقارة الدنيا وفي إقباله على الآخرة وقد جمع خوفًا واعتكافًا وذكرى. لقد كانت تلك الليالي العظيمة التي قضاها النبي صلى الله عليه وسلم في معتكفه مع رفيقه يراه ولا يراه الآخرون , إنه جبريل عليه السلام الذي كان معه في معتكفه يراجع معه حفظ القرآن الكريم , وإنك لو تخيلت في نفسك ذلك الموقف العظيم لصحابة رسول الله صلى الله علية وسلم وهم يرون نبيهم صلى الله عليه وسلم جالسًا في معتكفه يسرد على شخص لا يرونه لهالك ذلك , إنه موقف يزيد الإيمان وجبريل يعارض محمدًا عليه الصلاة والسلام القرآن , وفي السنة التي مات فيها صلى الله عليه وسلم راجع القرآن مرتين مع جبريل عليه السلام فقد كان الاعتكاف فرصة لمراجعة القرآن.

عباد الله , قال بعض العلماء يزيد أن يعتكف ليلًا من المغرب إلى الفجر مثلًا وقال بعضه أقله يوم وليلة أي أربع وعشرون ساعة ولو دخل بعد المغرب أو دخل بعد الفجر فخرج في الفجر الثاني فإنه طيب حسن , ويمكن أن يبدأ في أي وقت في اليوم إلى الوقت المقابل من اليوم الذي يليه أو أكثر بحسب الإمكان يلتمس إلى الله عز وجل لا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان من بول أو غائط أو تناول طعام ربما لا يتيسر له في معتكفه فإن تيسر له لزم المسجد وإلا خرج للحاجة ورجع بسرعة مقتصرًا على قضاءها أو حصل له جنابة فذهب إلى الاغتسال ونحو ذلك من الأمور التي لابد منها , ولذلك لا يعود المعتكف مريضًا ولا يشهد جنازة بل ينقطع في المسجد لطاعة لله عز وجل يتحرى ليلة القدر يُفلح قلبه ويحفظ الصيام ويتقلل من المباحات.

عباد الله هذه العشر عشر عظيمة ينبغي التركيز فيها على قضاءها في طاعة الله , فيا حظ من فعل ذلك ويا خسران من قضاها في اللف في الأسواق , إننا نتألم والله لحال الشباب الذين نجدهم في هذه العشر يتسكعون في الطرقات ويجلسون على الأرصفة في لهو محرم وعبث طيلة الليل إلى الفجر , ثم تتألم عندما ترى هؤلاء اللاهون عندما قد رفعوا أصوات الموسيقى والأغاني الغربية والشرقية في سياراتهم التي أنزلوا نوافذها وفتحوها وهي تتدفق بالمحرمات في هذه الليالي الفاضلة.

عباد الله إن المسلم ليعتصر ألما وهو يرى هذه اللحظات الثمينة في هذه الليالي الفاضلة تُقضى أمام المسلسلات والقنوات الفضائية التي لا تلبث أن تبثّ السم وتتدفق بالفساد والشر ملهية العباد عن اللحظات الثمينة , إن هذه الأبواب المشرعة للمحرمات إنها ستكون خسران يوم الدين عندما يرى هذا الذي إلتهى بها ماذا حصَّل السابقون والمقربون وماذا خسر هو, ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها , فما بالك إذا كانت القضية ساعات فما بالك إذا كانت محرمات وليس فقط ذهاب الوقت بغير ذكر.

عباد الله المسالة تحتاج إلى صبر والله ولكن من ذاق لذة الطمأنينة بالله والإقبال عليه ودخل جنة الدنيا لم تعد تهمه تلك السفالة , وان الإنسان إذا ذاق لذة الذكر والعبادة عرف أنها أفضل من لذة تلك المباريات والمسلسلات والأفلام والبرامج التي يسمونها ترفيهية إن لذة المعيشة في كنف الله وذكره وعبادته أكبر بكثير مما تسببه هذه الملذات الدنيوية الدنيئة في نفوس من انتكست فطرته وانحرفت نفسه عن صراط العزيز الحكيم.

عباد الله يجب أن نُقبل على الله وأن نتوب إليه وأن نتذكر في هذه الساعات والليالي تلك الذنوب فنتوب إلى الله منها ونستغفره ونلح عليه في الدعاء أن يتجاوز عنا ...

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ...

اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها رقها وذلها سرها وعلانيتها ...

اللهم تجاوز عنها وسامحنا يا أرحم الراحمين ...

اللهم طهرنا من ذنوبنا بالماء والثلج والبرد ونقنا من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ...

اللهم اجعلنا من الذاكرين لك كثيرا والشاكرين لك كثيرا ...

اللهم اجعلنا من أهل التوبة النصوح تقبل توبتنا وانصر حوجتنا وثبت حجتنا وطهر قلوبنا وسدد ألسنتنا يا ارحم الراحمين ...

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم واستغفره إنه هو الغفور الرحيم ...

### فاصل ###

الحمد لله واشهد أن لا اله إلا الله وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله , واشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين هو إمام العابدين وسيد الزاهدين وحامل لواء الشفاعة يوم الدين وصاحب المقام المحمود الذي يغبطه عليه الخلق من الأولين و الآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه و أزواجه وذريته الطيبين الطاهرين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت