الصفحة 46 من 73

عباد الله إذا رأيتم وأنتم تمشون في الشوارع والطرقات اللافتات الكثيرة بالفرصة العظيمة فرصة لا تُفَوت و تنزيلات هائلة وتخفيضات رهيبة وإقبال على الشراء وازدحام في السوق , فتذكروا سوق الآخرة وتذكروا الربح العظيم يوم الدين وتذكروا الفرصة التي تفوت ولا تعوض بذهاب هذه اللحظات التي أنتم فيها بغير عبادة.

عباد الله نحتاج إلى تعقل وتروي ونحتاج إلى محاسبة للنفس ولجمها , نحتاج إلى كبح جماحها , فهي تريد الانطلاق وهي لا تريد القيود والعبادة تحتاج إلى تفريض للنفس والنفس تكره ذلك , ولكن من جاهد نفسه سهل الله عليه المهمة , إنها ليسيرة على من يسر الله سبحانه وتعالى له ذلك (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [1] .

عباد الله أليس من المؤسف أن بعض المسلمين يخططون في المعصية بعد العيد , بعد صلاة العيد والمشهد العظيم للذكر والتكبير , أن يحصل التخطيط في ذلك في شهر الصيام لماذا تجعل هذه المواسم العظيمة مجالا للتخطيط لما يحدث بعد ذلك من الفساد والمعصية أو تضييع الأوقات واللهو المحرم؟؟؟!!!.

-زكاة الفطر:

عباد الله لا نقبل بالازدواجية والمؤمن له وجه واحد , والنفاق ذميم فينبغي تخليص القلب من الشوائب وطرد داعي المعصية من النفس, أن نقف وقفة صريحة نحاسب بها أنفسنا والدليل على المحاسبة قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [2] غد يوم القيامة ولتنظر نفس ما قدمت لغد , واعلموا رحمكم الله وغفر ذنوبكم ورفع قدركم أن الله عز وجل قد جعل زكاة الفطر طهره للصائمين من اللغو والرفث وطعمه للمساكين تؤدى قبل الصلاة زكاة مقبولة , حكمة الله ورحمته بعباده أن شرع لهم كفّارة لم حدث في صيامهم من التقصير (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) [3] , تجبر بطلان الصوم كما تجبر سجود السهو بطلان الصلاة , فرض على العباد لقول الراوي:"فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين" [4] , إنها صدقة يسيرة لا تكلف كثيرا والحمد لله يخرجها المسلم عن نفسه وعمن ينفق عليهم من الزوجات والأقارب , فإن قدروا على إخراجها بأنفسهم فإخراجهم لها أولى , إنها تُؤدى حتى عن الصبي الصغير وعن المجنون وكذلك عن اليتيم يخرجها الوليّ والوصيّ , يخرج الإنسان عن نفسه وزوجته وأولاده ووالديه إن كان يعيلهم و بنته التي لم يدخل بها زوجها , يخرج زكاة الفطر عن كل واحد صاع من طعام البلد من أزر أو تمر أو قمح ونحو ذلك. وهذه الزكاة تعطى طعاما من قوت البلد وليس مالًا ولا نقدًا وإنما طعام كما جاء في السنة لأن الشارع فرضها طعام لا مال وحدد جنسها وهو الطعام فلا يجوز الإخراج من غيره , ولأنه أرادها ظاهرة لا خفية فإخراجها مالًا يخيرها خفية , والصحابة أخرجوها طعامًا ونحن نتبع ولا نبتدع , وإخراج زكاة الفطر طعام ينطبق لكن لو قلت بالمال فعلى فعل أي شيء تخرج وقد تظهر شواهد في إخراجها قوتا كما في حالات الافتقار وارتفاع الأسعار والحروب والغلاء , فإن قال قائل النقد انفع للفقير فالجواب أن الشارع قد جعل لحاجات الفقير الأخرى مصادر أخرى زكاة المال والصدقات فلماذا تخلط الأمور زكاة المال من المال وزكاة الفطر من الطعام طعمه للمساكين في ذلك اليوم.

عباد الله السنة إخراجها قبل صلاة العيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة , ويجوز أن تؤدى قبل العيد بيوم أو يومين , ومن أخرها بعد العيد فهو مفرط وعاص ٍ , لا يجوز التأخير وعليك الاحتياط يا عبد الله والنظر في من توكل إن كنت ستوكل أن الموكل ثقة , فيجب أن تصل إلى مستحقها أو من ينوب عنه قبل الصلاة , وإذا وكل المزكي شخصا لإخراج الزكاة عنه فلا تبرأ الذمة حتى يتأكد أن الوكيل قد أخرجها ودفعها فعلا في وقتها. وتصرف زكاة الفطر إلى الأصناف الثمانية الذين تصرف لهم زكاة المال , وذهب بعض العلماء وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه و رواية عن احمد والمالكية إلى تخصيص صرفها للفقراء والمساكين. ويجوز أن يعطى الفقير الواحد فطر أشخاص عدة , كما يجوز أن يعطى الفقير نصف فطرت شخص لكن يُعلم بذلك حتى لا يظنها مخطئة إذا أراد أن يخرجها من جديد , والأفضل أن يتولى الإنسان قسمها بنفسه ولكن لو وكل غيره من طرف ثقة أو جمعية موثوقة فلا بأس بذلك إذا دفع المال إليهم يوكلهم بالإخراج عنه أن يخرجوا عنه طعاما.

(1) سورة القمر: 15.

(2) سورة الحشر: 18.

(3) سورة الأعلى: 14 - 15.

(4) رواه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت