فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 520

إن النظرة الكونية تجذب وترعب لأنها تمثل لدى البشر"إلغاء الغيرية"، وهذا ما يعتبر نزعة نرجسية عميقة الا انها تثير في التصرف نفسه اقوى حالات القلق [1] ، فالسؤال الذي يطرح عندها هو: من نحن الذين ألغينا الآخر؟ وماذا سيحدث لنا إن نحن، المتساويين والخاضعين للقانون نفسه، بقينا مع ذلك وحيدين في مواجهة كون واجم؟

فقبل أن نعرف كيف نرسم خط الفصل الجنوبي على سطح الأرض بزمن طويل، كان البحارة والمراسلون يشكون في قدرتهم على الاحتفاظ بوهم"الاختلاف"الجذري بينهم وبين"البشر المتوحشين"الذين اكتشفوهم في الجانب الآخر وراء خط الاستواء. لذا كان المطلوب اشاعة فكرة الاختلاف هذه عن طريق ايديولوجيات طوعية، ومع ذلك لم يستغرق الأمر سوى عقود كي يجبروا على الاعتراف بأن لهؤلاء البشر روحا. وبعد أقل من ثلاثة قرون على انطلاق فورة العبودية لم يعد في الامكان التمييز رسميا بين"أعراق متفوقة"و"سكان محليين". وقد جاء علم الاناسة (الانتروبولوجيا) ليساعد حتى في تبيّن اشكالية تصنيف المجتمعات البشرية بين"الثقافات الراقية"و"الجماعات البدائية"، وإذا ما أخذنا بمغزى الفيلم الرائع"ليتل سنغال" (السنغال الصغرى) [2] , لا نجد كلا من الحضارة والتوحش حيث نتوقع لهما ذلك، اي الحضارة في الغرب والتوحش في إفريقيا، بل ربما وجدنا الأمر معكوسًا.

(2) - فيلم من إخراج رشيد بوشارب، نيسان/أبريل 2001.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت